لندن: محمد الطّورة – مواطن أردني مقيم في المملكة المتحدة
إن ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو من أجل الرد على أحد المقالات التي أطلعت عليها يوم أمس منطلقاً من الحرص على الأردن، قيادةً وشعبًا ومؤسسات، والإيمان بأن الجهود الكبيرة التي يبذلها جلالة الملك عبدالله الثاني من أجل رفعة الوطن وتقدمه وتعزيز مكانته تستحق من الجميع أن يكونوا على قدرها من المسؤولية والإخلاص. فمن غير المنصف أن يمضي جلالته في مسيرة البناء والإصلاح، حاملًا تطلعات الأردنيين وآمالهم، ثم تأتي بعض التصرفات الفردية أو الممارسات الإدارية غير المسؤولة لتعرقل تلك الجهود، أو تضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، أو تسيء إلى صورة الأردن وسمعته.
ومن هنا، فإنني أناشد كل مسؤول، وكل من يعمل إلى جانب جلالة الملك أو يحظى بثقته، أن يدرك أن موقعه ليس امتيازًا شخصيًا، بل أمانة وطنية تقتضي أن يكون عونًا للقيادة في تحقيق رؤيتها، وشريكًا في حماية إنجازات الوطن، لا سببًا في تعطيلها أو الانتقاص منها. فجهود جلالة الملك عبدالله الثاني في خدمة الأردن والأردنيين ينبغي أن تقابلها مسؤولية حقيقية على مستوى الأداء والسلوك والقرار، وأن تترجم التوجيهات الملكية إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.
إن سمعة الأردن ومكانته وثقة أبنائه بمؤسساته ليست أمورًا تحتمل العبث أو الاجتهادات الشخصية؛ فقد تتطلب بعض التصرفات الفردية غير المحسوبة سنوات من العمل لمعالجة آثارها واستعادة الثقة التي أضعفتها. ولذلك، فإن حماية ما تحقق من إنجازات تستوجب مراجعة الأداء، وترسيخ النزاهة والعدالة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو إساءته استخدام موقعه، بعيدًا عن المحاباة والحسابات الضيقة.
فالأردن يستحق أن تتكامل جهود قيادته مع أداء مسؤوليه، وأن يكون كل من يتولى موقعًا عامًا جزءًا من مسيرة البناء والإصلاح، لا عائقًا أمامها. ومن هذا المنطلق، جاء تأييدي لما طرحه أحد الكاتب في مقاله له بشأن ضرورة الإصلاح ومراجعة أداء المسؤولين، وهي دعوة أراها متصلة بمصلحة الوطن وحق المواطن، وبالحفاظ على ما يبذله جلالة الملك عبدالله الثاني من جهود من أجل أردن أكثر تقدمًا واستقرارًا وعدالة.
فبعد أن اطّلعت على المقال الذي تناول فيه كاتبه ضرورة الإصلاح والتغيير في نهج الإدارة وأداء المسؤولين، وما تضمنه من دعوة إلى إبعاد كل من يسيء إلى الوطن أو يستغل موقعه لتحقيق مصالحه الشخصية، وجدت أن ما طُرح فيه يستحق التأييد والتوقف عند مضامينه بجدية ومسؤولية. فالقضية التي أثارها الكاتب لا تتعلق بأشخاص بأسمائهم، بقدر ما تتعلق بمصلحة وطن وحق مواطن، وبضرورة أن تكون المسؤولية العامة أمانة تُؤدّى بإخلاص ونزاهة وكفاءة.
وإنني، إذ أؤيد ما جاء في المقال من أفكار ومطالب إصلاحية، أرى أن المرحلة تتطلب مراجعة جادة لبعض الممارسات الإدارية التي تعرقل مصالح المواطنين، وترسيخ مبدأ المساءلة، وإفساح المجال أمام الكفاءات الوطنية المخلصة، بما ينسجم مع تطلعات جلالة الملك عبدالله الثاني والأردنيين إلى وطن أكثر تقدمًا وعدالة، ومؤسسات أكثر كفاءة وقربًا من المواطن.
إن الحديث عن الثورة البيضاء في نهج الإدارة وأداء المسؤولين ليس دعوة إلى تغيير الوجوه لمجرد التغيير، بل إلى تصحيح المسار، ومحاسبة كل من تثبت إساءته للمسؤولية أو استغلاله لصلاحياته، ووضع الكفاءة والنزاهة والإنجاز في مقدمة معايير تولي المناصب العامة والاستمرار فيها.
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتبديل الأسماء وحدها، وإنما بتغيير النهج الإداري والثقافة المؤسسية، بحيث يشعر المواطن بأن حقوقه مصانة، وأن معاملته تسير وفق القانون، وأن الفرص متاحة للجميع على قدم المساواة، بعيدًا عن المحسوبية والعلاقات الشخصية والحسابات الضيقة.
حين تصبح الإجراءات الإدارية عائقًا أمام المواطن
إن ما يدعو إلى تأييد هذه المطالب الإصلاحية ليس مجرد طرح نظري، بل هو واقع قد يلمسه المواطن من خلال تجاربه اليومية مع بعض الإجراءات والممارسات الإدارية.
ومن واقع تجربتي الشخصية، حاولت الحصول على ترخيص لموقع إعلامي إلكتروني باسمي، فوجدت نفسي أتنقل من دائرة إلى أخرى، وأبذل الوقت والجهد لاستكمال الإجراءات المطلوبة، فيما كانت كل جهة تحيل المسؤولية إلى جهة أخرى، دون أن أصل إلى نتيجة واضحة أو أحصل على تفسير حاسم لأسباب التأخير.
وبعد أن استنفدت جهدي وقررت التوقف عن متابعة الترخيص باسمي، فوجئت بأن الموقع نفسه حصل لاحقًا على الترخيص باسم شخص آخر.
وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت الشروط والمتطلبات واحدة، فما الذي اختلف حتى أُنجز الترخيص باسم شخص آخر بعد تعذّر إنجازه باسمي؟ وهل طُبقت المعايير والإجراءات ذاتها في الحالتين؟
إنني لا أطرح هذه التساؤلات لإصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهام إلى جهة بعينها، بل للتأكيد على ضرورة وجود إجراءات واضحة ومعايير موحدة، تتيح للمواطن معرفة أسباب التأخير أو الرفض، وتضمن له حق التظلم والحصول على إجابة عادلة. فمثل هذه التجارب تستحق المراجعة والتحقق؛ لأن الثقة بالمؤسسات تتعزز حين يجد المواطن تفسيرًا واضحًا وشفافية في التعامل.
كما أنني، من واقع تجارب أخرى ارتبطت بجهود قدمتها لخدمة الوطن، شعرت أحيانًا بأن بعض المواقف الإدارية قد تتأثر بحسابات شخصية أو برغبة البعض في تسجيل مواقف أمام أصحاب القرار، بدلًا من التركيز على قيمة العمل ومدى خدمته للمصلحة العامة.
ولا يعني ذلك الاعتراض على المساءلة؛ فهي ضرورة لا غنى عنها في أي مؤسسة تحترم القانون. لكن المساءلة ينبغي أن تكون موضوعية وعادلة، تستند إلى الوقائع والمعايير الواضحة، وألا تتحول إلى وسيلة للمناكفة أو تعطيل المبادرات أو إضعاف من يسعى إلى تقديم خدمة لوطنه.
الثورة البيضاء تبدأ بتصحيح النهج
إن جوهر الثورة البيضاء التي ننشدها هو الانتقال من الإدارة القائمة على الاجتهادات الشخصية وتداخل المسؤوليات إلى إدارة مؤسسية واضحة، تُعرف فيها صلاحيات كل جهة، وتُحدد فيها مسؤوليات كل مسؤول، وتُنجز فيها معاملات المواطنين وفق إجراءات معلنة ومواعيد معقولة.
كما أن الإصلاح يقتضي تقييم أداء المسؤولين بناءً على ما يحققونه من إنجازات، وما يقدمونه من خدمة للصالح العام، ومدى التزامهم بالقانون والنزاهة والعدالة. فمن يثبت تقصيره أو إساءته استخدام موقعه يجب أن يخضع للمساءلة وفق الأصول القانونية، وأن يُفسح المجال لمن يمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
فليس الهدف استهداف الأشخاص، وإنما حماية المؤسسات من الخلل، وصون المال العام، وإنصاف المواطن، وضمان أن تكون المواقع العامة وسيلة لخدمة الوطن لا لتحقيق المصالح الخاصة.
ولا تكتمل هذه الثورة البيضاء من دون تبسيط الإجراءات، وتعزيز الرقابة، وفتح قنوات فعالة لتلقي شكاوى المواطنين، والتعامل معها بجدية وشفافية. فليس من المقبول أن يبقى المواطن يتنقل بين الدوائر بحثًا عن جهة تتحمل المسؤولية، بينما تضيع معاملته بين الإحالات والتأجيلات دون جواب واضح.
الملك يستحق مسؤولين يعملون لجانبه لمصلحة الوطن
إن جلالة الملك عبدالله الثاني يستحق أن يعمل إلى جانبه مسؤولون تكون مصلحة الأردن واستقراره وتقدمه وكرامة مواطنيه غايتهم الأولى، وأن يكون الولاء للوطن عنوانًا للعمل والإنجاز، لا مجرد شعارات ومواقف شكلية.
فالمسؤول الذي يحتاجه الأردن هو من يفتح الأبواب أمام المبادرات النافعة، وييسر الإجراءات ضمن القانون، ويستمع إلى المواطن، ويبحث عن الحلول بدلًا من تبادل المسؤوليات وإلقاء اللوم على الآخرين. وهو من يدرك أن هيبة الدولة لا تتحقق بتعقيد المعاملات أو إغلاق الأبواب، بل بتطبيق القانون على الجميع، وإنجاز مصالح الناس، ومحاسبة المقصرين بعدالة.
كما أن الأردن يزخر بالكفاءات والطاقات الوطنية المخلصة التي تستحق الفرصة لتسهم في بناء الوطن وتطوير مؤسساته. ومن واجب الإدارة العامة أن تهيئ لهذه الكفاءات بيئة عمل عادلة، وألا تسمح للعلاقات الشخصية أو الحسابات الضيقة بأن تتقدم على معايير الكفاءة والاستحقاق.
الأردن وطن أكبر من الأشخاص والمناصب
إن تأييدي لما جاء في المقال ينطلق من إيماني بأن الإصلاح ليس انتقاصًا من مؤسسات الدولة، بل هو حماية لها وتعزيز لثقة المواطنين بها. فالدولة القوية هي التي تراجع أداءها، وتعالج أوجه الخلل، وتحاسب من يسيء إلى المسؤولية، وتمنح أصحاب الكفاءة والنزاهة الفرصة لخدمة وطنهم.
ومن هنا، فإن الثورة البيضاء الحقيقية هي ثورة في النهج قبل الوجوه، وفي ثقافة المسؤولية قبل المواقع، وفي طريقة التعامل مع المواطن قبل كل شيء. وهي تعني أن تصبح العدالة والشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص قواعد ثابتة لا استثناءات مؤقتة.
إن الأردن أكبر من الأشخاص والمناصب، ومصلحته يجب أن تبقى فوق كل اعتبار. والمواطن ليس خصمًا للإدارة، بل شريك في بناء الوطن، ومن حقه أن يجد مؤسسات تحترم وقته وكرامته، وتتعامل معه وفق القانون، وتمنحه فرصة عادلة بعيدًا عن النفوذ والعلاقات الشخصية.
ختامًا، أتفق مع الكاتب في أن الإصلاح الإداري ومحاسبة من يسيء استخدام المسؤولية وإفساح المجال أمام الكفاءات الوطنية ليست مطالب فردية أو شعارات عابرة، بل ضرورة وطنية لتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وحماية مسيرة الأردن، وتحقيق تطلعات قيادته وشعبه.
فالأردن يستحق الأفضل، والثورة البيضاء التي ننشدها هي أن تتقدم الكفاءة على المحسوبية، والعدالة على المصالح الشخصية، والإنجاز على الشعارات، وأن تبقى مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.