لندن: محمد الطّورة
في السياسة، لا تكفي الإشاعة لكي تصبح حقيقة، ولا يتحول الادعاء إلى واقعة لمجرد أنه نُشر في وسيلة إعلامية. وهذا تحديداً ما ينطبق على المزاعم التي روجتها وسائل إعلام إسرائيلية بشأن مشاركة ممثل عن الأردن في اجتماع مزعوم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال زيارته الأخيرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.
المعلومة المؤكدة هي أن نتنياهو التقى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في أبوظبي، وأن الجانبين بحثا العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية. لكن الرواية التي أضافت إلى هذا الاجتماع ممثلاً عن الأردن لم تجد ما يثبتها في الرواية الرسمية الإماراتية المنشورة عن اللقاء، فيما نفى مصدر أردني رسمياً مشاركة أي ممثل أردني، ووصف الادعاء بأنه افتراء لا أساس له من الصحة.
وهنا تبرز المسألة الأهم: لماذا يحتاج الأردن إلى اجتماع سري، أو إلى قناة خلفية غير معلنة، إذا كان موقف الملك عبدالله الثاني قد قيل أمام العالم كله، وعلى أعلى منبر دولي؟
الملك لم يتحدث في غرفة مغلقة. ولم يبعث رسالة ملتبسة. وقف على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الدورة الحادية والثمانين، وطرح الموقف الأردني بصورة مباشرة بشأن الحرب في غزة، والضفة الغربية، والاستيطان، وحقوق الفلسطينيين، وحل الدولتين، ومخاطر استمرار التصعيد على أمن المنطقة واستقرارها. كما تظهر السجلات الأممية أن الملك كان من المتحدثين في الجلسة الافتتاحية للمناقشة العامة.
وقبل ذلك، وفي لقاءاته على هامش اجتماعات الجمعية العامة، أكد الملك أمام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ضرورة تكثيف الجهود الدولية لاستعادة الاستقرار، والتوصل إلى حل يضمن حقوق الفلسطينيين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين، محذراً من تداعيات الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس.
هذه ليست لغة رجل دولة يبحث عن مساحة رمادية يخفي فيها موقفاً آخر. إنها، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، لغة موقف معلن ومسجل وموثق.
ولهذا تبدو رواية «الاجتماع السري» بحاجة أولاً إلى دليل، لا إلى مزيد من التداول والتأويل.
فالقول إن ممثلاً أردنياً حضر اجتماعاً خلف الأبواب المغلقة يقتضي تحديد اسم هذا الممثل، وصفته، ومصدر المعلومة، وما الذي دار في الاجتماع، والأهم: لماذا غابت هذه المعلومة عن الرواية الرسمية للاجتماع؟ أما الاكتفاء بالقول إن «مصادر إسرائيلية» تحدثت عن مشاركة أردنية، فلا يحول الادعاء إلى حقيقة.
بل إن التطورات اللاحقة تزيد الحاجة إلى الحذر. فقد ذكرت تقارير أن وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت عن مشاركة مسؤولين من دول عربية مختلفة في محادثات أبوظبي، قبل أن تصدر نفيا بشأن بعض هذه المزاعم، فيما أفادت تقارير بأن إحدى وسائل الإعلام الإسرائيلية صححت روايتها بشأن اجتماع مزعوم مع مسؤول سعودي لعدم قدرتها على تأكيد انعقاده.
وهذا يضع الادعاء المتعلق بالأردن في مكانه الطبيعي: ادعاء يحتاج إلى إثبات، لا واقعة ينبغي على الأردن أن يبرر نفيها إلى ما لا نهاية.
أما الربط بين هذه المزاعم وبين خطاب الملك في الأمم المتحدة، فيستحق قراءة سياسية هادئة. فخطاب الملك جاء في لحظة كانت فيها إسرائيل تواجه انتقادات دولية واسعة بسبب سياساتها في غزة والضفة الغربية، وقد كان الأردن من الدول التي رفعت صوتها علناً في الجمعية العامة. وفي اليوم نفسه تقريباً، وصفت تقارير دولية خطاب الملك بأنه من أكثر الخطابات العربية انتقاداً للسياسات الإسرائيلية.
لكن من المهم أيضاً ألا تتحول القراءة السياسية إلى حقيقة مزعومة بدورها. القول إن نشر الادعاء جاء «لأغراض انتخابية» هو تفسير ورد على لسان المصدر الأردني، وليس حقيقة يمكن إثباتها بصورة مستقلة من المعطيات المتاحة. لذلك تبقى الحقيقة الأوضح والأكثر صلابة هي أن الأردن نفى المشاركة نفياً صريحاً، وأن الرواية الإماراتية الرسمية المنشورة عن لقاء نتنياهو والشيخ محمد بن زايد لم تذكر مشاركة أردنية.
وفي نهاية المطاف، ثمة مفارقة لا يمكن تجاهلها.
الملك الذي يريد أن يخفي موقفاً لا يذهب إلى الأمم المتحدة ليعلنه أمام العالم في وضح النهار.
والدولة التي تريد إدارة ملف شديد الحساسية عبر قنوات سرية لا تجعل من مواقفها المعلنة في المحافل الدولية جزءاً مركزياً من سياستها الدبلوماسية.
الأردن أعلن مواقفه في العلن، وكررها في اللقاءات الدولية، ووضع خطوطه السياسية والأمنية بصورة واضحة. والملك عبدالله الثاني تحدث أمام المجتمع الدولي بلغة مباشرة بشأن القضية الفلسطينية، والقدس، والضفة الغربية، وأمن الأردن والمنطقة.
لذلك فإن السؤال المنطقي أمام هذه الرواية ليس: ماذا يخفي الأردن؟
بل: أين الدليل على ما يُقال؟
فالسياسة ليست ساحة مفتوحة لكل رواية بلا بينة، والسبق الإعلامي لا يعفي صاحبه من عبء الإثبات. وإذا كان هناك اجتماع بالفعل، فالمطلوب أسماء ووثائق ومصادر قابلة للتحقق. أما إذا لم يوجد، فإن النفي الرسمي الأردني يظل هو المعلومة المعلنة الوحيدة التي تقف في مواجهة رواية لم تقدم حتى الآن ما يكفي لإثباتها.
وفي عالم تتداخل فيه الدعاية بالإعلام والسياسة بالانتخابات، تصبح أبسط قاعدة صحفية هي الأكثر أهمية: لا تجعل من الادعاء حقيقة لمجرد أنه قيل، ولا تجعل من الإشاعة دليلاً لمجرد أنها تخدم رواية سياسية معينة.
أما الأردن، فقد قال موقفه على الملأ.
والملك الذي تحدث أمام العالم كله، ليس بحاجة إلى أن يقول شيئاً في الظلام.