تقرير: محمد الطورة – المملكة المتحدة – لندن
الأستاذ ياسين محمود البدور … أيقونة شوبكية تختصر حكاية جيل
بيجو أبو نبيل… حين تصبح السيارة حكاية رجل أبتعد عن المظاهر
على مدى ما يزيد على أربعة عقود، أتيحت لي فرصة زيارة معظم دول العالم، وفي كل بلد كنت أجد بعض المعالم أو الأشياء التي تستوقفني بما تحمله من رمزية وخصوصية، فأجد نفسي أقارنها، بصورة عفوية، بما تركته الأماكن والأشياء في ذاكرتي من معانٍ.
لكن، ومهما ابتعدت بي المسافات، بقيت هناك صورة من مدينتي الشوبك العزيزة، الواقعة في جنوب الأردن، وطني الغالي، تستوقفني دائمًا؛ إنها سيارة البيجو الزرقاء للأستاذ العزيز أبو نبيل، وهي تسير في شوارع الشوبك بكل هدوء ودون ضجيج أو استعراض، حتى أصبحت مع مرور السنوات واحدة من معالم المدينة وذاكرتها، مقترنة في أذهاننا بأخلاق صاحبها وتواضعه وقناعته.
ولعل أجمل ما في هذه السيارة أنها لم تصبح معلمًا في الشوبك بسبب عمرها الطويل فحسب، وإنما لأنها تشبه صاحبها… هادئة، متواضعة، أصيلة، ولا تحتاج إلى أن تستعرض حضورها كي يلتفت إليها الناس.
هناك أشياء صغيرة في حياتنا تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها مع مرور الزمن تتحول إلى جزء من الذاكرة، وإلى شاهد صامت على أشخاص تركوا أثرهم في المكان والناس.
ومن بين هذه الأشياء، تبرز في ذاكرتنا الشوبكية سيارة البيجو الزرقاء التي ارتبطت على مدى أكثر من نصف قرن باسم الأستاذ والمربي الفاضل ياسين محمود البدور «أبو نبيل»، أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية.
هذه السيارة ليست مجرد مركبة قديمة تجاوز عمرها الخمسين عامًا، وليست مجرد صورة نلتقطها في أحد شوارع الشوبك؛ إنها، في رأيي، جزء من تاريخ المدينة وذاكرتها الجميلة، لأنها ارتبطت برجل عرفه الناس بأخلاقه وهدوئه وقناعته وتواضعه.
والأستاذ أبو نبيل، ابن عشيرة البدور الكريمة، تلك العشيرة التي أنجبت وما زالت تضم بين أبنائها عددًا من الأطباء والمهندسين وقادة الأجهزة الأمنية والحكام الإداريين وغيرهم من أصحاب المواقع والمسؤوليات، اختار لنفسه طريقًا مختلفًا عن سباق المظاهر الذي كثيرًا ما يرهق الناس دون أن يمنحهم بالضرورة راحة النفس.
فقد جلب أبو نبيل سيارته معه من دولة الإمارات العربية المتحدة بعد عودته من الإعارة للعمل مدرسًا في مدارسها في سبعينيات القرن الماضي، وظلت هذه السيارة ترافقه طوال هذه السنوات، محافظة على حضورها في شوارع الشوبك، كما حافظ صاحبها عليها بصيانة مستمرة وعناية واضحة.
لكن الأجمل من عمر السيارة هو المعنى الذي تحمله.
فأبو نبيل لم يكن بحاجة إلى سيارة فارهة ليقول للناس من هو، ولم يكن يرى في المركبة وسيلة لاستعراض المكانة أو لفت الأنظار. كانت السيارة بالنسبة إليه وسيلة نقل، يحافظ عليها ويصونها ويستخدمها باحترام، تمامًا كما يعيش حياته بعيدًا عن التكلف والمبالغة.
وأذكر، عندما كنت أعمل في قضاء الشوبك عام 1978، كنت أشاهد هذه السيارة تسير في شوارع الشوبك بهدوء شديد وبسرعة متأنية، رغم أن الشوارع في ذلك الوقت كانت شبه خالية من السيارات، حتى إن بعضها كان يصلح لأن يكون حلبة سباق لمن أراد أن يستعرض أمام الآخرين.
أما أبو نبيل، فكان له طريق آخر.
كان يقود سيارته معتبراً الطريق مسؤولية وأخلاق قبل أن تكون مساحة للعبور.
لم يكن مستعجلًا، ولم يكن معنيًا بإثبات شيء لأحد. كان يعرف أن الوصول إلى المكان لا يحتاج إلى استعراض، وأن احترام الطريق يعني احترام الآخرين، وأن الإنسان لا يُقاس بما يقود، وإنما بما يحمله من قيم ومبادئ.
ولعل أجمل ما في قصة هذه السيارة أنها أصبحت مع مرور الزمن انعكاسًا لشخصية صاحبها؛ قديمة في عمرها، متجددة في حضورها، محافظة على أصالتها، بعيدة عن المظاهر الخداعة.
وهكذا أصبحت البيجو الزرقاء، بالنسبة للكثير من أبناء الشوبك، أكثر من مجرد سيارة.
أصبحت علامة يعرفها الناس، وصورة مألوفة في شوارع المدينة، وذكرى مرتبطة برجل نحترمه ونقدّر سيرته. وربما لو سألنا بعض أبناء الشوبك عن سيارة أبي نبيل، لما احتاجوا إلى وصف طويل؛ يكفي أن نقول: البيجو الزرقاء… وسيعرف الجميع عمن نتحدث.
إن المحافظة على هذه السيارة طوال أكثر من خمسين عامًا ليست مجرد تعلق بمركبة قديمة، بل هي دلالة على شخصية تؤمن بالقناعة، وتعرف قيمة الأشياء، ولا تنساق خلف كل جديد لمجرد أنه جديد، ولا ترى أن قيمة الإنسان فيما يملك، وإنما فيما يكون عليه من أخلاق.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو لنا هذه السيارة اليوم أجمل مما كانت عليه يوم خرجت إلى الطريق لأول مرة.
فقد أضاف إليها الزمن قيمة لا تستطيع المصانع أن تمنحها، وأعطاها صاحبها معنى لا يوجد في أي كتيب لمواصفات السيارات.
إنها سيارة تحمل حكاية رجل.
وحكاية الرجل هنا ليست في السيارة وحدها، وإنما في الطريقة التي عاش بها، وفي احترامه للناس والطريق، وفي قناعته بما لديه، وفي ابتعاده عن المظاهر، وفي ذلك الهدوء الذي ظل يرافقه كما رافقته سيارته طوال هذه العقود.
أطال الله في عمر الأستاذ والمربي الفاضل ياسين محمود البدور «أبو نبيل»، وأمده بالصحة والعافية، وحفظه لأهله وأصدقائه ومحبيه.
أما البيجو الزرقاء، فستظل في ذاكرة الشوبك أكثر من سيارة قديمة…
ستظل شاهدًا على زمن كانت فيه البساطة قيمة، والقناعة فضيلة، والأخلاق عنوانًا للرجل، والطريق مكانًا يحترم فيه الإنسان نفسه والآخرين.
ومن الجميل أن تكون بعض معالم المدن مبانيَ وحجارة، والأجمل أن تكون بعض معالمها بشرًا طيبين… وأشياء ارتبطت بهم حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتها.