العموم نيوز: لم تكن إشارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى احتمال «بلقنة» العراق عبارة عابرة، خصوصاً أنها جاءت في سياق حديثه عن ملف سلاح الفصائل وضرورة أن تكون جميع الأسلحة تحت سيطرة الحكومة العراقية.
لكن أهمية التصريح لا تكمن في أنه إعلان أمريكي عن مشروع لتقسيم العراق، بل في أنه يكشف إلى أي حد باتت واشنطن تنظر إلى استمرار وجود قوى مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة باعتباره مشكلة تتجاوز الأمن الداخلي العراقي.
قال روبيو إن الولايات المتحدة تدعم رئيس الوزراء علي الزيدي في مساعيه لحصر السلاح بيد الحكومة، وإن واشنطن لا تشك في التزامه بهذا الهدف، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن المهمة «ضخمة وصعبة».
وأضاف أن ثلاث ميليشيات على الأقل نزعت سلاحها وانضمت إلى الحكومة، فيما لا تزال فصائل أخرى تمثل تحدياً، مؤكداً أن واشنطن تريد مساعدة رئيس الوزراء على إنجاح مهمته.
ما الذي تستطيع أمريكا فعله؟
تستطيع الولايات المتحدة الضغط سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وربط تعاونها مع بغداد بقدرتها على منع الهجمات من الأراضي العراقية ووضع السلاح تحت سلطة الدولة.
وفي اجتماع روبيو مع الزيدي قبل يومين على هامش اجتماعات الجمعية العمومية بنيويورك، اتفق الطرفان، بحسب وزارة الخارجية الأمريكية، على أهمية تفكيك الميليشيات المصنفة إرهابية ومنع الهجمات من الأراضي العراقية وتعزيز ممارسة العراق لسيادته.
كما تستطيع واشنطن استخدام أدوات مالية ودبلوماسية وعقوبات، فضلاً عن القوة العسكرية إذا قررت حماية قواتها أو مصالحها من هجمات مسلحة.
لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع ببساطة أن تأمر الحكومة العراقية بنزع سلاح فصيل ما؛ فتنفيذ العملية على الأرض يبقى مسؤولية مؤسسات الدولة العراقية، كما أن استخدام القوة ضد الفصائل يمكن أن يفتح مواجهة داخلية واسعة.
وهذه نقطة أساسية، فالدور الأمريكي هو الضغط والمساندة والردع، وليس الحلول محل الدولة العراقية في إدارة ملف السلاح.
إذن، لماذا استخدم روبيو «البلقنة»؟
لأن واشنطن تريد، على ما يبدو، رفع مستوى التحذير من مشكلة ترى أنها لم تعد مجرد وجود جماعات مسلحة، وإنما تعدد مراكز القوة داخل الدولة.
روبيو قال إن ما تريده واشنطن هو أن تكون كل الأسلحة في العراق تحت سيطرة الحكومة الوطنية، وألا توجد قوى مستقلة تعمل بصورة منفصلة عن الدولة وتؤدي إلى «بلقنة» البلاد.
وهنا يمكن فهم المصطلح باعتباره تحذيراً من المسار، لا إعلاناً عن النتيجة، فواشنطن تقول إن استمرار القوى المسلحة المستقلة يمكن أن يقود إلى تفتيت سلطة الدولة، وليس إنها قررت تفكيك العراق.
لكن الرسالة تحمل في الوقت نفسه ضغطاً واضحاً على بغداد؛ إذا بقيت الحكومة عاجزة عن فرض احتكار الدولة للسلاح، فإن المشكلة لن تبقى، من وجهة النظر الأمريكية، شأناً عراقياً داخلياً، خصوصاً إذا استُخدمت الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة أو حلفائها في المنطقة.
هل يشمل الأمر التخلص من النفوذ الإيراني؟
المطلب الأمريكي المعلن هو نزع سلاح الجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية في الهجمات. أما إنهاء النفوذ الإيراني داخل العراق بالكامل، فهذا هدف أوسع بكثير ولم يقل روبيو إن واشنطن تستطيع أو ستعمل على إزالته بالكامل.
لكن من الناحية السياسية، فإن تقليص قدرة الفصائل المرتبطة بإيران على امتلاك سلاح مستقل سيؤدي بالضرورة إلى تقليص إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني داخل العراق.
وتكشف تطورات الأيام الأخيرة أن الحكومة العراقية تحاول الوصول إلى صيغة تفاوضية؛ إذ تشير تقارير إلى أن بغداد تعمل على خطة تدريجية لنقل الأسلحة إلى سيطرة الدولة، مع تحديد يونيو 2027 موعداً مستهدفاً لاستكمال العملية، فيما تواصل فصائل مسلحة الاعتراض على بعض شروط نزع السلاح.
هل يمثل كلام روبيو تهديداً للنظام السياسي؟
يمكن اعتباره تحذيراً أمريكياً شديد اللهجة، لكن ليس تهديداً صريحاً بإسقاط النظام أو تقسيم العراق، بل إن روبيو تعمد التأكيد على دعم رئيس الوزراء، وقال إن واشنطن تريد أن ينجح في مهمته. وهذا يعني أن الرسالة الحالية تبدو أقرب إلى: نحن ندعم الدولة العراقية، لكننا نريد أن نرى نتائج ملموسة في ملف السلاح.
والفارق مهم؛ لأن الولايات المتحدة، مع اقتراب موعد اكتمال انسحاب قواتها من العراق، تبدو أقل رغبة في تحمل مسؤولية الأمن الداخلي العراقي، وأكثر اهتماماً بأن تضمن ألا تتحول الأراضي العراقية إلى منصة لتهديد قواتها أو حلفائها.
ما «البلقنة»؟
المصطلح مستمد من تاريخ منطقة البلقان، وأصبح يُستخدم لوصف تفكك دولة أو منطقة إلى كيانات أصغر متنافسة، غالباً على أسس قومية أو دينية أو طائفية.
وعندما يستخدمه وزير الخارجية الأمريكي في وصف مستقبل محتمل للعراق، فإن المعنى السياسي الأهم هو التحذير من دولة متعددة مراكز القوة والسلاح والقرار، وليس بالضرورة تقسيم العراق إلى دول مستقلة.
ولهذا فإن أخطر ما في تصريح روبيو ليس أنه أعلن خطة لتقسيم العراق، بل أنه وضع أمام بغداد تصوراً أمريكياً للمسار الذي ترى واشنطن أنه يجب تجنبه، دولة لا تحتكر السلاح، وقوى مسلحة مستقلة، ونفوذ خارجي قادر على التأثير في القرار الأمني، وصولاً إلى تآكل سلطة المركز.
الخليج ونلين