لندن: محمد الطّورة
حجب موقع إعلامي لا يحمي الوطن: نحو شراكة رسمية مع الإعلام الأردني في الخارج دفاعًا عن الحقيقة والمصلحة الوطنية
في ظل ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي من تداول متسارع للأخبار والشائعات، وما يرافق ذلك أحيانًا من إساءات تطال شخصيات وطنية ورموزًا خدمت الأردن عبر مسيرته، تبرز الحاجة إلى وقفة مسؤولة من الجهات الرسمية المعنية، تعيد التأكيد على أهمية الإعلام المهني ودوره في حماية المصلحة الوطنية والدفاع عن صورة المملكة ورجالاتها.
وقد أثارت أخبار متداولة حول إعلان خطوبة معالي العين حسين هزاع المجالي، والتي نُفيت وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية نقلًا عن مقربين منه، نقاشًا أوسع حول حدود المسؤولية في تناول الحياة الشخصية للشخصيات العامة، وحول استخدام المنصات الإعلامية في نشر معلومات غير موثقة أو توجيه الإساءة إلى رموز وطنية.
وبعيدًا عن تفاصيل هذه الواقعة، فإن القضية الأهم التي تستحق اهتمام الجهات الرسمية تتمثل في كيفية التعامل مع الأصوات والمنصات التي تتعمد، أو يُشتبه في تعمدها، الإساءة إلى الأردن ومؤسساته وشخصياته الوطنية، دون أن يتحول هذا التعامل إلى تضييق على الإعلام المهني أو تقييد لحرية التعبير.
إعلام أردني في الخارج.. فرصة ينبغي استثمارها
إن وجود مواقع ومنصات إعلامية يديرها مواطنون أردنيون يقيمون خارج المملكة، ويمتلكون القدرة على الوصول إلى جمهور واسع، يمثل فرصة يمكن توظيفها لخدمة الأردن وتعزيز حضوره الإعلامي والدفاع عن مصالحه وصورته أمام الرأي العام.
فهذه المنصات، متى التزمت بالمعايير المهنية، تستطيع أن تؤدي أدوارًا مهمة، من بينها:
- تقديم الرواية الأردنية في مواجهة المعلومات المضللة، استنادًا إلى الحقائق والمصادر الموثوقة.
- الدفاع عن سمعة الوطن ومؤسساته وشخصياته بالطرق الإعلامية والقانونية المشروعة.
- توضيح المواقف الرسمية والرد على الادعاءات غير المثبتة.
- إيصال وجهة النظر الأردنية إلى المجتمعات ووسائل الإعلام خارج المملكة.
- تعزيز التواصل بين الأردن وأبنائه المقيمين في الخارج.
ومن هنا، فإن المطلوب من الجهات الرسمية المعنية ليس النظر إلى هذه المنصات باعتبارها مصدرًا محتملًا للإزعاج أو النقد فحسب، بل التعامل معها باعتبارها جزءًا من المشهد الإعلامي الذي يمكن أن يسهم في خدمة المصالح الوطنية، متى توافرت المهنية والاستقلالية والالتزام بالقانون.
الاختلاف التحريري لا ينبغي أن يكون سببًا للإقصاء
إن من أهم المبادئ التي ينبغي ترسيخها في التعامل مع الإعلام، أن الموقف التحريري المختلف لا يُفترض أن يكون وحده سببًا لمنع منصة إعلامية من ممارسة دورها أو حرمانها من فرص التواصل والتعاون.
فالمعيار الذي يستحق الأولوية يجب أن يكون مدى التزام الوسيلة الإعلامية بالمهنية، ودقة المعلومات التي تنشرها، واحترامها للقانون وحقوق الأفراد، وليس مدى توافق آرائها مع مواقف بعض المسؤولين أو العاملين في المؤسسات الرسمية.
وإذا كانت هناك ملاحظات على محتوى إعلامي معين، فإن معالجتها ينبغي أن تتم عبر قنوات واضحة وشفافة، تضمن حق الرد والتصحيح، وتتيح اللجوء إلى الأطر القانونية عند وجود مخالفات، بدلًا من اتخاذ إجراءات قد تُفهم باعتبارها رد فعل على خلافات شخصية أو عدم رضا عن ناشري تلك المنصات.
فالإعلام المهني لا يُقاس بمدى مديحه للمسؤولين، كما لا يُقاس بمدى انتقاده لهم، وإنما بقدرته على تقديم المعلومات الدقيقة، وممارسة النقد المسؤول، والتمييز بين الرأي والخبر، والالتزام بحقوق الأفراد وكرامتهم.
الدفاع عن الوطن لا يعني إغلاق باب النقد
إن الدفاع عن الأردن ورجاله ومؤسساته مسؤولية وطنية مشتركة، لكن هذه المسؤولية لا تتعارض مع وجود إعلام ناقد، بل يمكن أن تستفيد منه الدولة والمجتمع في كشف مواطن الخلل وتصحيح الأخطاء وتعزيز الثقة العامة.
وفي المقابل، فإن النقد الذي يستند إلى معلومات غير موثقة، أو يتناول الحياة الشخصية للأفراد بقصد الإساءة، أو يطلق اتهامات دون أدلة، لا ينسجم مع أسس العمل الإعلامي المسؤول، وينبغي التعامل معه وفق القانون، دون تعميم أو استهداف لمنصات أخرى لمجرد اختلاف توجهاتها التحريرية.
كما أن حماية الشخصيات الوطنية من التشهير لا تعني منحها حصانة من النقد، بل تعني ضمان أن يكون النقد قائمًا على وقائع، وأن تُتاح للأشخاص والمؤسسات المعنية فرصة الرد والتوضيح، ضمن إطار يحفظ الحقوق ويصون كرامة الجميع.
دعوة إلى مراجعة النهج وتعزيز الشراكة
إن المرحلة الراهنة تستدعي من الجهات الرسمية المعنية، ولا سيما المؤسسات ذات الصلة بالإعلام والاتصال، إعادة النظر في آليات التواصل مع المواقع والمنصات الإعلامية الأردنية التي يديرها مواطنون في الخارج.
ويمكن أن تبدأ هذه المراجعة من خلال:
- فتح قنوات تواصل مؤسسية مع المنصات الإعلامية الأردنية المهنية في الخارج.
- إتاحة فرص متكافئة للوصول إلى المعلومات والتصريحات الرسمية، وفق معايير واضحة.
- اعتماد المهنية والالتزام القانوني معيارًا أساسيًا في تقييم العلاقة مع وسائل الإعلام.
- تعزيز حق الرد والتصحيح في مواجهة الأخبار غير الدقيقة.
- دعم المبادرات الإعلامية التي تسهم في توضيح المواقف الأردنية والدفاع عن مصالح المملكة بالوسائل المهنية.
فليس من مصلحة الوطن أن تتحول الخلافات الشخصية أو الاختلافات في الرؤية التحريرية إلى حواجز تحول دون الاستفادة من طاقات إعلامية أردنية يمكن أن تؤدي دورًا إيجابيًا في الخارج.
كلمة أخيرة
إن الأردن، بما يمتلكه من تاريخ ومؤسسات ورموز وطنية، يستحق إعلامًا يدافع عنه بالحجة والمعلومة، لا بالصراخ والتشهير، كما يستحق في الوقت ذاته مؤسسات رسمية تتعامل مع الإعلام وفق معايير العدالة والمهنية، بعيدًا عن الحسابات الشخصية أو ردود الفعل الآنية.
إن مواجهة الشائعات لا تكون بإقصاء كل صوت مختلف، وإنما بتعزيز حضور الحقيقة، وفتح المجال أمام الإعلام المهني، وتوفير المعلومات الموثوقة، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
ومن هذا المنطلق، فإن إتاحة الفرصة للمواقع الإعلامية الأردنية المهنية في الخارج للقيام بدورها، والتعامل معها بوصفها شريكًا محتملًا في الدفاع عن المصلحة الوطنية، قد تكون خطوة عملية نحو بناء بيئة إعلامية أكثر توازنًا، تخدم الأردن وتحفظ حق مواطنيه في التعبير، وتصون في الوقت ذاته سمعة مؤسساته ورجاله ورموزه.
فالوطن بحاجة إلى أصوات مسؤولة تدافع عنه، وإلى مؤسسات تضمن أن يكون معيار التعامل مع تلك الأصوات هو المهنية والقانون، لا الرضا الشخصي أو الاختلاف في المواقف.