لندن: كتب المحرر السياسي
منذ انطلاقة «العموم نيوز» من بريطانيا، بعد تعذر انطلاقتها من الأردن، حمل ناشر الموقع الأستاذ محمد الطّورة على عاتقه مسؤولية متابعة أخبار الوطن الأم، والاقتراب من قضاياه، وإيصال صوت الأردن إلى دوائر صنع القرار في بريطانيا والعالم، انطلاقًا من إيمان بأن الإعلام لا تنتهي رسالته عند نقل الخبر، بل تمتد إلى الدفاع عن الحقيقة وإبراز ما يخدم الوطن ومصالح أبنائه.
واليوم، ومع صدور الإرادة الملكية السامية بإقالة رئيس هيئة الأركان المشتركة وتعيين رئيس جديد، رأت «العموم نيوز» أن تكون حاضرة في هذه اللحظة، لا لمجرد متابعة التغيير في الموقع، وإنما لفتح نافذة على جانب آخر من مسيرة المسؤولين الذين غادروا مواقعهم، وفي مقدمتهم الفريق يوسف باشا الحنيطي والفريق حسين باشا الحواتمة، وتسليط الضوء على مهمات وطنية أُنجزت بعيدًا عن الأضواء، بتكليف من جلالة الملك، حظيت بتقديره وثنائه، ولامس أثرها الأردنيون حين صبت نتائجها في مصلحة الدولة والمواطن.
غادر الفريق يوسف باشا الحنيطي موقعه رئيسًا لهيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، كما غادر الفريق حسين باشا الحواتمة موقعه مديرًا للأمن العام، بعد سنوات طويلة أمضياها في مواقع متقدمة من المسؤولية، حمل خلالها كل منهما ملفات وواجبات ترتبط مباشرة بمؤسسات الدولة الأكثر حساسية وأهمية.
غادرا الموقع، لكن مغادرة الموقع لا تعني بالضرورة مغادرة المشهد، ولا تعني أن سنوات الخدمة تُطوى بمجرد انتقال المسؤولية إلى من يأتي بعدهما.
ففي الدول التي تقوم على المؤسسات، لا تنتهي تجربة المسؤول بخروجه من مكتبه، كما لا تبدأ المؤسسة من جديد مع وصول مسؤول جديد. الأشخاص يتغيرون، والمواقع تتبدل، لكن الخبرة التي تتراكم، والملفات التي تُدار، والقرارات التي تُتخذ، والمسارات التي تُبنى عبر سنوات، تبقى جزءًا من الذاكرة المؤسسية للدولة.
ومن هنا يأتي الحديث عن الحنيطي والحواتمة اليوم؛ ليس باعتباره محاولة لاستعادة رجلين غادرا موقعيهما، ولا من باب المجاملة أو التقرب، وإنما من زاوية أوسع تتصل بحق الرأي العام في معرفة شيء من طبيعة العمل الذي أُنجز بعيدًا عن الأضواء، وبحق المسؤول الذي أمضى سنوات في خدمة الدولة في أن تُقرأ تجربته بإنصاف بعد انتهاء مهمته.
وقد وجدت «العموم نيوز»، من خلال المتابعة والتحري والاستقصاء الصحفي، أن جانبًا مهمًا من تجربة الرجلين لم يكن حاضرًا بالقدر نفسه في المشهد الإعلامي.
فخلال سنوات تحملهما للمسؤولية، اضطلع الحنيطي والحواتمة بعدد من المهام والملفات الوطنية المهمة، كان بعضها بتكليف مباشر من جلالة الملك عبدالله الثاني، وفي ملفات حظيت باهتمام ومتابعة من جلالته.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن طبيعة العمل في المؤسسات العسكرية والأمنية لا تسمح دائمًا بأن يتحول كل إنجاز إلى خبر، ولا أن يُعلن عن كل مهمة أو ملف أو نتيجة.
هناك أعمال تُنجز في صمت، وملفات تُدار بعيدًا عن الإعلام، وقرارات تكون أهميتها في نتائجها لا في حجم التغطية التي تحظى بها. وفي مؤسسات بحساسية القوات المسلحة والأمن العام، فإن الابتعاد عن الأضواء في كثير من الأحيان ليس غيابًا للإنجاز، وإنما جزء من طبيعة المسؤولية ذاتها.
ولذلك فإن تقييم تجربة أي مسؤول في مثل هذه المواقع لا ينبغي أن يستند فقط إلى ما ظهر أمام الكاميرات، بل إلى ما تركه من أثر داخل المؤسسة، وما أنجزه من ملفات، وما أسهم فيه من تطوير، وما تحمّله من مسؤوليات في ظروف قد لا تكون تفاصيلها متاحة للرأي العام.
وفي هذا السياق، تكتسب الرسائل التي وجهها جلالة الملك إلى الرجلين عند مغادرتهما موقعيهما أهمية خاصة؛ فهي تعكس تقدير القائد الأعلى للقوات المسلحة لما بذلاه خلال سنوات الخدمة وتحمل المسؤولية، وتؤكد في الوقت ذاته أن الجهد الذي يُبذل بعيدًا عن الإعلام لا يغيب بالضرورة عن عين الدولة وقيادتها.
لكن مغادرة الحنيطي والحواتمة تفتح بابًا آخر لا يقل أهمية عن الحديث عن مسيرتهما، وهو السؤال المتعلق بما بعد المغادرة.
ماذا يبقى من الملفات التي عملوا عليها؟ وماذا يحدث للخبرات التي تراكمت خلال سنوات وجودهم في مواقع المسؤولية؟
هذه ليست أسئلة تتعلق بالرجلين وحدهما، وإنما تتصل بفكرة أعمق هي: كيف تحافظ الدولة على تراكم خبراتها عندما يتغير المسؤولون؟
فالمسؤول الجديد لا يتسلم مؤسسة تبدأ من الصفر، ولا يرث مكتبًا وصلاحيات فقط، وإنما يرث مسارًا طويلًا من العمل، وملفات مفتوحة، وتجارب سابقة، وقرارات أثبت بعضها نجاحه، فيما يحتاج بعضها الآخر إلى مراجعة أو تطوير.
ومن هنا فإن المطلوب من القادمين بعد الحنيطي والحواتمة ليس أن يكرروا الأشخاص، ولا أن يسيروا بالضرورة على كل تفاصيل ما سبق، وإنما أن يحافظوا على ما ثبتت جدواه، وأن يطوروا ما يحتاج إلى تطوير، وأن يراجعوا ما تقتضي المصلحة الوطنية مراجعته.
فالمؤسسة الناجحة ليست تلك التي لا تتغير، وإنما تلك التي تستطيع أن تتغير دون أن تفقد ذاكرتها.
والاستمرارية لا تعني الجمود، كما أن التجديد لا يعني هدم ما بُني.
وما كان بتكليف واهتمام من قائد الوطن، وما أثبتت التجربة أنه يخدم مصلحة الأردن وأسقراره وسمعته في الخارج، ينبغي أن يبقى موضع عناية ومتابعة، لا أن يصبح مرتبطًا باسم المسؤول الذي عمل عليه ثم ينتهي بخروجه من موقعه.
فالملف الوطني بكل تفاصيله ليس «ملف فلان»، والإنجاز المؤسسي لا ينبغي أن يتحول إلى ملكية شخصية لمسؤول أو مرحلة.
هذه هي القيمة الحقيقية لفكرة الدولة المؤسسية: أن يبقى العمل للدولة، وأن تنتقل الخبرة من مسؤول إلى آخر، وأن يصبح ما أنجزه السابقون قاعدة ينطلق منها اللاحقون، لا نقطة يبدأون منها من جديد.
أما الحنيطي والحواتمة، فقد غادرا الموقع، كما يغادره كل مسؤول في نهاية المطاف.
لكن سنوات الخدمة لا تغادر معهما.
فالخبرة التي اكتسباها، والملفات التي أديراها، والقرارات التي شاركا في صنعها، والمهام التي اضطلعا بها، تشكل في مجموعها جزءًا من مسيرة مؤسستين وطنيتين كبيرتين.
وقد تختلف الآراء في تقييم أي تجربة، وهذا أمر طبيعي في الحياة العامة، لكن الإنصاف يقتضي أن يُنظر إلى المسؤول بما أنجز، وبما تحمّل من مسؤوليات، وبالأثر الذي تركه، لا فقط باللحظة التي غادر فيها منصبه.
وفي النهاية، فإن قيمة الرجل في الدولة لا تختصرها مدة بقائه في الكرسي، كما أن انتهاء التكليف لا يعني انتهاء قيمة التجربة.
المنصب مؤقت، والمسؤولية تنتقل، أما أثر الخدمة والخبرة التي تتراكم داخل مؤسسات الدولة، فذلك هو الإرث الذي يفترض أن يبقى.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأهم من مغادرة الحنيطي والحواتمة: أن الرجال يغادرون مواقعهم، لكن الدولة لا ينبغي أن تغادر ذاكرتها.