العموم نيوز – في هاواي، خلال اجتماع سنوي جمع مارك زوكربيرغ وكبار مساعديه، بدأت ملامح واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل شركة ميتا منذ سنوات: شركة تعتمد بدرجة أكبر على الذكاء الاصطناعي، وفرق أصغر، وموظفين أكثر تخصصًا، بينما تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايدًا من العمل الذي يؤديه البشر.
لكن الخطة التي بدأت باعتبارها تحولًا جذريًا في طريقة عمل مالكة فيسبوك وإنستجرام، انتهت سريعًا إلى شيء مختلف تمامًا.
فبعد أشهر من التخطيط، كانت ميتا تستعد لتقليص حجم بعض فرقها بنسبة تصل إلى 60%، ضمن إعادة هيكلة على مرحلتين، وتسريح 10% من موظفيها في مايو، قبل أن يلغي زوكربيرغ الموجة الثانية من التخفيضات المقررة في نوفمبر، وذلك قبل ساعات فقط من بدء المرحلة الأولى.
وتكشف وثائق داخلية ومحادثات مع أكثر من 20 شخصًا على دراية بآليات العمل داخل الشركة، راجعتها رويترز، أن الخطة لم تتعثر بسبب مقاومة الموظفين وحدها، بل أيضًا لأن التكنولوجيا التي عُوّل عليها لإحداث قفزة في الإنتاجية لم تحقق النتائج التي كانت ميتا تتوقعها بالسرعة المطلوبة.
من شركة تقليدية إلى “شركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي”
كان الهدف أكبر من مجرد إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مكاتب ميتا.
الفكرة كانت إعادة تصميم الشركة نفسها بحيث تتفاعل أدوات ووكلاء الذكاء الاصطناعي مع الموظفين، وتتم أتمتة أجزاء من سير العمل، وتُبنى المنتجات الجديدة وفق نهج “الذكاء الاصطناعي أولًا”.
وفي بعض التصورات الداخلية، كان من المفترض أن تختفي أدوار تقليدية لمهندسي البرمجيات ومصممي المنتجات، وأن تعمل فرق صغيرة تضم مهندسين ومصممًا واحدًا، بينما تتراجع مستويات الإدارة الوسطى.
وفي تجربة مبكرة، أنشأت ميتا مجموعات تقنية من شخصين أو ثلاثة مهندسين ومصمم واحد، بهدف إنتاج نماذج أولية خلال أربعة أسابيع بدل دورات تطوير كانت تستغرق نحو ستة أشهر.
وبحلول يونيو، كانت 11 وحدة على الأقل قد طبقت شكلًا من أشكال هذا النظام.
لكن التحول لم يتوقف عند طريقة تطوير المنتجات.
كانت ميتا تعمل أيضًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم الأداء وتحديد “المواهب التي لا يمكن الاستغناء عنها”، مع التركيز على موظفين يُنظر إليهم باعتبارهم قادرين على إنتاج ما يعادل عمل فرق كاملة.
وبحسب مصادر مطلعة، كانت الشركة تعتزم توجيه جزء من الأموال التي توفرها من عمليات التسريح إلى رواتب ضخمة لاستقطاب والاحتفاظ بأبرز مواهب هندسة الذكاء الاصطناعي.
خطة التسريح تصل إلى 60% لبعض الفرق
بحلول الربيع، بدأت الصورة الأكثر قسوة للخطة تتضح.
ناقش المديرون التنفيذيون سيناريوهات يمكن أن ينخفض فيها عدد الموظفين في بعض الفرق بنسبة تصل إلى 60%.
وكانت إعادة الهيكلة مصممة على موجتين: الأولى في مايو والثانية في نوفمبر، إضافة إلى إغلاق الوظائف الشاغرة وتسريح موظفين تعتبر الشركة أداءهم ضعيفًا.
وكان أحد مسؤولي الموارد البشرية قد توقع أن تكون العملية بحجم عمليات التسريح التي نفذتها ميتا قبل ثلاثة أعوام، أو أكبر منها بنحو 25%.
لكن ميتا تؤكد أن نسبة الـ60% لم تكن تعني تسريح 60% من إجمالي موظفي الشركة، بل كانت سيناريوهات تخص بعض الفرق، وتشمل التسريح وإعادة توزيع الموظفين.
وتقول الشركة إن آلاف الموظفين نُقلوا بالفعل إلى أعمال ذات أولوية، وإنها لم تكن تنوي تنفيذ جميع السيناريوهات التي نوقشت خلال تدريبات التخطيط.
الموظفون بدأوا يتمردون
كان إعلان رويترز في مارس عن احتمال تسريح 20% أو أكثر من قوة ميتا العاملة بمثابة الشرارة.
الموظفون شعروا بأنهم قد يكونون بصدد تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ستحل محلهم.
ثم جاءت خطوة أكثر إثارة للقلق: أمرت ميتا بتثبيت برنامج على أجهزة بعض الموظفين لتسجيل ضغطات المفاتيح ونقرات الفأرة، بهدف تدريب وكلاء الذكاء الاصطناعي على محاكاة تفاعل البشر مع أجهزة الكمبيوتر.
وتحولت منصات التواصل الداخلية للشركة إلى مساحة للغضب والسخرية.
نشر موظفون صورًا لفيلة في إشارة إلى “الفيل في الغرفة”، أي عمليات التسريح التي كان الجميع يعلم بوجودها بينما يتجنب المسؤولون الحديث عنها.
وتعرض أندرو بوسورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في ميتا وأحد أبرز المدافعين عن التحول إلى الذكاء الاصطناعي، لمواجهات مباشرة من الموظفين.
وفي الوقت نفسه، تراجعت معنويات الموظفين الإيجابية من 74% إلى 55%، وفق استطلاع داخلي للشركة، بينما اكتسبت جهود التنظيم النقابي زخمًا.
المشكلة الأكبر: الذكاء الاصطناعي نفسه
لكن التحدي لم يكن معنويًا فقط.
فقد أظهرت بيانات داخلية أن استخدام الذكاء الاصطناعي أدى إلى قفزة ضخمة في كمية الشفرة البرمجية التي ينتجها الموظفون، لكن ذلك لم يتحول بالقدر نفسه إلى إنتاجية حقيقية.
ارتفعت تغييرات الشفرة على منصات البرمجيات والبنية التحتية بنسبة 220% على أساس سنوي، بينما ارتفعت التغييرات التي وصلت بالفعل إلى مستخدمي ميتا بنسبة 36% فقط.
وفي الوقت نفسه، ظهرت مشكلات موثوقية وأمنية.
وأشارت منشورات داخلية إلى أن بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي غير الخاضعين للرقابة كانوا ينفذون أعمالًا تخريبية واسعة النطاق، بينما ارتفعت الحوادث التقنية والأمنية الكبرى بنسبة 40%، وزاد الوقت الذي يقضيه الموظفون في معالجة هذه المشكلات بنسبة 70%.
وبعبارة أخرى، كانت ميتا تنتج برمجيات أكثر بكثير، لكن ليس بالضرورة منتجات أكثر بالسرعة نفسها.
ليلة التراجع
وسط هذا كله، وصل زوكربيرغ إلى نقطة التحول.
قبل ساعات من بدء موجة التسريح الأولى في 20 مايو، تشاور الرئيس التنفيذي مجددًا مع كبار مساعديه وألغى الموجة الثانية المقررة في نوفمبر.
وفي اليوم التالي، مضت الشركة في خفض 10% من قوتها العاملة.
لكن بعد إرسال إخطارات التسريح، حاول زوكربيرغ طمأنة الموظفين المتبقين، قائلًا إنه يتوقع عدم إجراء عمليات تسريح أخرى على مستوى الشركة خلال العام، وإنه يريد منح العاملين مزيدًا من الاستقرار.
وبدأت ميتا بعد ذلك في تخفيف بعض جوانب التحول الأكثر إثارة للجدل.
أوقفت مؤقتًا برنامج تتبع حركة الفأرة، وسمحت لبعض الموظفين بالعودة إلى فرقهم السابقة، وحاول المسؤولون التنفيذيون رفع المعنويات من خلال زيادة الإنفاق على السفر والفعاليات الاجتماعية وتحسين بعض مزايا الموظفين.
وفي يوليو، ظهر زوكربيرغ بشكل مفاجئ في اجتماع داخلي واعترف بوجود أخطاء في تقدير توقيت إعادة التنظيم.
وقال إن وكلاء الذكاء الاصطناعي لم “يتسارعوا” بالوتيرة التي كان يتوقعها، لكنه توقع أن تبدأ التكنولوجيا في تحقيق فوائد أكبر خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة التالية.
رهان لم ينتهِ
ورغم التراجع، لم يتخل زوكربيرغ عن الرهان على الذكاء الاصطناعي.
بل انتقل إلى الدفاع عنه بطريقة مختلفة، عبر حملة علاقات عامة تركز على أن ميتا تريد “تمكين البشر” وليس استبدالهم.
لكن الضغط المالي لا يزال قائمًا.
تخطط ميتا لاستثمار ما لا يقل عن 130 مليار دولار في رقائق الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية خلال العام، في وقت يتوقع فيه محللون أن يؤدي هذا الإنفاق إلى استنزاف السيولة التشغيلية للشركة في 2026.
وفي مقال حديث بعنوان “المستقبل للجميع”، قدم زوكربيرغ رؤيته طويلة الأمد: قد تنكمش أحجام بعض الشركات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض عدد الوظائف، بل ربما ظهور عدد أكبر من الشركات التي تضم عددًا أقل من الموظفين.
لكن ما حدث داخل ميتا هذا العام يقدم اختبارًا مبكرًا لهذه الرؤية.
فالشركة حاولت أن تسبق مستقبل العمل، وتعيد بناء فرقها حول الذكاء الاصطناعي، وتخفض اعتمادها على العمالة البشرية.
ثم، عندما اصطدمت الخطة بواقع التكنولوجيا ورد فعل الموظفين، اضطر زوكربيرغ إلى الضغط على المكابح.
لم تتخل ميتا عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، لكنها اكتشفت أن الانتقال إليه قد يكون أكثر فوضى وكلفة وأبطأ مما توقعت.
- المصدر :
- رويترز