لندن: محمد الطّورة
أتابع يومياً، عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، موجة من الهجمات التي يشنها البعض على دبي، وكأن ما تمر به من تحديات استثناء لا يعيشه العالم، وكأن لحظة صعبة تكفي لإسقاط تجربة عمرها عقود.
وأمام هذا المشهد، وجدت أن من حق دبي، ومن واجبي كمواطن عربي أردني عاش فيها سنوات وعايش جانباً من مسيرتها، أن أقول كلمتي بعيداً عن الشماتة والتربص، وبقدر كبير من الإنصاف والوفاء لتجربة عربية أعتز بها.
اليوم أوجه كلامي لجوقة الشامتين والناقمين والمتربصين بكل ما هو ناجح في هذه المنطقة: على رسلكم، وتمهلوا قليلاً. فليس كل ما تتمنونه يقع، وليس كل عثرة عابرة تعني سقوطاً، وليس كل ظرف صعب يصلح دليلاً على نهاية تجربة صنعت حضورها في العالم خلال عقود.
أتحدث هنا كمواطن عربي أردني لا ينظر إلى دبي من نافذة بعيدة، ولا يعرفها من عناوين الصحف وتقارير المضاربين على الأزمات. عشت في ذلك البلد سنوات، وعرفت تفاصيل الحياة فيه، وواكبت جانباً من التحولات التي نقلت دبي من مدينة طموحة إلى واحدة من أكثر المدن حضوراً وتأثيراً في الاقتصاد العالمي. وطالني من خيرها ما طال ملايين العرب الذين وجدوا فيها فرصة للعمل والحياة والاستقرار، ولذلك فإن علاقتي بها ليست علاقة متابع يعجبه مشهد الأبراج والمطارات، وإنما علاقة إنسان عاش التجربة ولمس آثارها في حياته.
ومن هذا الموقع تحديداً أجدني مستغرباً من بعض الأقلام التي تتعامل مع أي ضغط اقتصادي يمر بدبي وكأنه عيد ينتظرونه، فتخرج علينا بلهجة المنتصر الذي وجد أخيراً ما يثبت أن المدينة كانت مجرد فقاعة، وأن مشاريعها العملاقة أوهام، وأن مستقبلها أصبح على المحك. وكأن اقتصاديات العالم الأخرى تعيش في بحبوحة، وكأن الأسواق العالمية لا تعرف الأزمات، وكأن أكبر الاقتصادات وأكثرها رسوخاً لم تواجه في السنوات الأخيرة موجات التضخم وارتفاع الفائدة واضطراب الأسواق وتراجع قطاعات بأكملها، فضلاً عن عالم يعيش فوق صفيح جيوسياسي ساخن، ومنطقة عربية تدفع أثماناً ثقيلة لأحداث لا تحتاج إلى شرح.
من حق أي إنسان أن ينتقد دبي، ومن حق الاقتصادي أن يطرح الأسئلة الصعبة، ومن حق الصحفي أن يبحث عن مكامن الخلل، بل إن النقد الصادق قد يكون أكثر فائدة من المديح. لكن هناك مسافة أخلاقية وفكرية شاسعة بين النقد وبين الشماتة، وبين التحليل وبين التربص، وبين قراءة الأرقام وبين الرغبة في إسقاط تجربة كاملة لأن أصحابها نجحوا حيث أخفق آخرون.
المشكلة ليست في أن يقول أحد إن مشروعاً ما يحتاج إلى مراجعة، أو إن قطاعاً ما يواجه تحدياً، أو إن بعض التقديرات كانت متفائلة. هذه أمور طبيعية في الاقتصاد. المشكلة أن يتحول الخبر الاقتصادي إلى مادة للتشفي، وأن تصبح كل سحابة في سماء دبي دليلاً على إعصار، وأن يُبنى على ظرف استثنائي حكم نهائي على مدينة لم تتوقف طوال تاريخها عن إعادة اختراع نفسها.
دبي لم تصبح دبي لأنها كانت محظوظة فقط، ولم تصنع مكانتها بكثرة الأبراج وحدها. وراء هذه المدينة فلسفة كاملة في الإدارة والانفتاح واستقطاب الاستثمار وبناء البنية التحتية وصناعة الثقة وربط المكان بالعالم. وقد تعلمت دبي، أكثر من مرة، أن المستقبل لا يُعطى لمن ينتظره، وإنما لمن يستعد له قبل أن يأتي.
وهنا لا أستطيع، وأنا أتحدث عن دبي، أن أفصل التجربة عن شخصية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. فقد ارتبط اسم الرجل في وجدان كثيرين منا بفكرة تتجاوز المشاريع والأرقام، وهي أن بناء المدن يبدأ ببناء الإنسان، وأن الطموح ليس ترفاً في عالم عربي اعتاد أن يبرر التأخر بقلة الإمكانات.
لقد عشنا في دبي وشاهدنا كيف يمكن لمدينة أن تجعل من تعدد الجنسيات والثقافات قوة لا عبئاً، وكيف يمكن للوافد أن يشعر بأنه جزء من دورة اقتصادية وحياتية واسعة، وكيف يمكن لفكرة إدارية واضحة أن تتحول إلى بيئة تستقطب الناس ورؤوس الأموال والأفكار من مختلف أنحاء العالم. وربما لهذا السبب تحديداً بقيت في ذاكرة كثير من الذين عاشوا هناك صورة مختلفة عن دبي؛ صورة لا تختصرها الأبراج ولا السيارات الفارهة ولا المشاريع العملاقة، وإنما تختصرها فرصة وجدها إنسان، وكرامة شعر بها عامل، ومستقبل استطاع شاب أن يتخيله لنفسه، وأمان جعل أسرة عربية تختار المكان بيتاً لسنوات من عمرها.
هذه هي الزاوية التي يغفل عنها كثير من الذين يكتبون عن دبي من الخارج.
فهم يرون الإسمنت ولا يرون الإنسان، ويرون الأرقام ولا يرون الثقة، ويرون المشروع ولا يرون البيئة التي جعلت المشروع ممكناً.
وأنا كعربي أردني، لا أرى في نجاح دبي شيئاً يستحق الغيرة أو الخصومة. على العكس، أراه نجاحاً عربياً أفتخر به. ففي عالم اعتاد أن يبحث عن قصص النجاح في الغرب والشرق، وأن يتعامل مع المنطقة العربية باعتبارها عاجزة عن صناعة النماذج العالمية، جاءت دبي لتقول إن العربي قادر على أن يبني مدينة تنافس، وأن يضعها على خارطة التجارة والطيران والسياحة والمال والخدمات، وأن يحول موقعاً جغرافياً إلى قيمة اقتصادية وسياسية وإنسانية.
ولهذا أستغرب من عربي يفرح عندما تتعرض دبي لضغط، وكأنه انتصر على خصم شخصي. ما الذي كسبناه نحن من تعثر مدينة عربية؟ وما الذي يضيفه سقوط مشروع عربي إلى مستقبل العرب؟ وهل أصبح نجاح الآخر تهديداً لنا إلى هذا الحد؟
نحن بحاجة إلى عقل عربي يستطيع أن يفرح بالإنجاز حتى عندما لا يكون من صنع يده، وأن ينتقد الخطأ دون أن يتمنى انهيار التجربة، وأن يميز بين الرغبة في الإصلاح والرغبة في الانتقام.
أما أولئك الذين بدأوا يشككون في متانة مشاريع دبي العملاقة لمجرد أن بعض الظروف تغيرت، فأقول لهم إن الاقتصاد ليس خطاً مستقيماً، وإن المشاريع الكبرى لا تُقاس بلحظة واحدة، وإن المدن التي بنت بنيتها التحتية وسمعتها وشبكاتها العالمية على مدى سنوات طويلة لا تصبح فجأة بلا قيمة لأن دورة اقتصادية دخلت مرحلة أكثر صعوبة.
بل إن الاختبار الحقيقي لأي تجربة ناجحة يبدأ عندما تصبح الظروف أقل ملاءمة.
هناك، تظهر الإدارة، وتظهر المرونة، وتظهر القدرة على إعادة التموضع، ويظهر الفرق بين من بنى مشروعه على أمنية وبين من بناه على رؤية.
ودبي، مثل غيرها، ستدفع ثمن الأوضاع العالمية والإقليمية، وستواجه تحديات، وقد تتراجع بعض القطاعات وتتغير بعض الحسابات، وربما تعيد تقييم بعض المشاريع أو الأولويات. وهذا ليس عيباً في مدينة أو اقتصاد؛ بل هو جزء من طبيعة الحياة الاقتصادية. العيب الحقيقي هو أن نتصور أن الاقتصاد لا يعرف إلا الصعود، وأن أي تراجع يعني الانهيار.
حتى أكبر اقتصاديات العالم لم تُعفَ من الأزمات، ولم تسلم من دورات التباطؤ والتصحيح، فكيف يُطلب من دبي أن تكون الاستثناء الوحيد في عالم يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطراباً؟
ومن هنا فإن كل من يعتقد أن دبي ستواجه مصيرها منفردة، أو أن ما يحدث في العالم لا علاقة له بها، أو أن الضغوط التي تتعرض لها تعني نهاية قدرتها على الاستمرار، يضع الأمور في غير سياقها.
دبي ليست جزيرة معزولة عن العالم، لكنها أيضاً ليست مدينة بلا أدوات.
وإذا كان العالم قد علمنا شيئاً في السنوات الأخيرة، فهو أن القوة الحقيقية للاقتصادات لا تكمن في غياب الأزمات، وإنما في القدرة على التعامل معها.
أما الذين ينتظرون سقوط دبي بفارغ الصبر، فأقول لهم بكل هدوء: لا تستعجلوا.
التاريخ لا يكتب بهذه الطريقة.
المدن العظيمة لا تسقط لأن بعض الأقلام أعلنت سقوطها، والتجارب الناجحة لا تنتهي لأن خصومها وجدوا لحظة مناسبة للشماتة.
وقد تكون دبي أمام مرحلة تحتاج فيها إلى المراجعة وإعادة الحسابات وتطوير بعض الأدوات، وهذا طبيعي. لكن بين المراجعة وبين الانهيار مسافة لا يدركها إلا من يفهم الاقتصاد ويفهم طبيعة المدن التي بنت لنفسها موقعاً عالمياً.
وأنا لا أدافع عن دبي لأنني أعتقد أنها معصومة من الخطأ، ولا أدافع عن كل مشروع فيها، ولا أضع تجربتها فوق النقد. أدافع عنها لأن الإنصاف يقتضي ذلك، ولأنني عشت فيها، وعرفت ما قدمته لي ولغيري، وشاهدت بعيني كيف استطاعت خلال سنوات أن تفعل ما عجزت مدن كثيرة عن فعله خلال أجيال.
وأدافع عنها أيضاً لأنني أرفض أن يتحول النقد العربي إلى جلد للذات، وأن يصبح نجاح مدينة عربية سبباً في استنفار الأقلام للبحث عن ثغرة تسقطها من أعين الناس.
من حق دبي أن تُنتقد، لكنها تستحق أيضاً أن يُعترف بما أنجزته.
ومن حقها أن تواجه الأسئلة الصعبة، لكن ليس من حق أحد أن يختلق لها نهاية لمجرد أنه يتمنى تلك النهاية.
ومن حق قادتها أن يُختلف معهم، لكن من الإنصاف أيضاً أن يُذكر لهم أنهم حملوا مشروعاً عربياً إلى مساحة لم تكن مألوفة، وأنهم أثبتوا أن الطموح حين يتحول إلى عمل ومؤسسات وقرارات يمكن أن يصنع فرقاً تاريخياً.
لهذا أقول للشامتين والناقمين والمتربصين: اختلفوا كما شئتم، وانتقدوا كما شئتم، وحللوا الأرقام كما تشاؤون، لكن لا تجعلوا أمنياتكم حقائق، ولا تجعلوا العاصفة موسماً دائماً، ولا تجعلوا من صعوبة عابرة حكماً على مستقبل مدينة.
أنا أردني، وعشت في دبي، وأفتخر بأنني كنت شاهداً على جانب من قصتها.
دبي حين تنجح لا تنتقص من عمّان، ولا من القاهرة، ولا من الرياض، ولا من أي مدينة عربية.
نجاحها يثبت فقط أن النجاح ممكن.
وهذه وحدها قيمة تستحق أن نحافظ عليها.
لذلك، مرة أخرى، أقول لجوقة الشامتين: على رسلكم… تمهلوا.
فما ترونه أزمة قد يكون مجرد مرحلة.
وما تعتبرونه نهاية قد يكون بداية إعادة ترتيب.
وما تتمنونه سقوطاً قد يتحول، كما حدث في مراحل سابقة وتجربة عام 2008 ليست بعيده، إلى فصل جديد من قصة مدينة لم تتعلم طوال تاريخها كيف تستسلم، وإنما تعلمت كيف تتقدم.