العموم نيوز: تدخل إيران مرحلة اقتصادية شديدة الحساسية، مع وصول الريال إلى مستوى قياسي جديد أمام الدولار، بالتزامن مع استعداد الولايات المتحدة لفرض حزمة واسعة من العقوبات الاقتصادية تستهدف ما تبقى من شرايين الاقتصاد الإيراني.
وفي ظل تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع تكاليف المعيشة، يبرز السؤال: هل تتحول الضغوط الاقتصادية المتراكمة إلى شرارة احتجاجات شعبية واسعة، أم يتمكن النظام من احتواء الأزمة مجدداً؟
وسجل الريال الإيراني، الاثنين، مستوى تاريخياً متدنياً، إذ بلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 2.02 مليون ريال، مقارنة بنحو 1.53 مليون ريال مطلع مارس/آذار الماضي، وفق بيانات نقلتها وكالة «أسوشييتد برس». ويعكس هذا الانهيار المتسارع تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق.
ولا تقف تداعيات انهيار العملة عند سوق الصرف، بل تنتقل مباشرة إلى أسعار السلع الأساسية.
ووفق بيانات أوردتها «أسوشييتد برس»، ارتفع سعر الأرز بنحو 60% منذ بداية الحرب، فيما تجاوز ارتفاع أسعار لحوم الأبقار 150%، ما يزيد الضغط على الأسر الإيرانية ويجعل تأمين الغذاء أكثر صعوبة، خصوصاً مع استمرار التضخم وتراجع الدخول الحقيقية.
وتأتي هذه التطورات فيما تستعد واشنطن لبدء ما وصفه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بـ«يوم إنزال اقتصادي» ضد إيران، عبر إجراءات تستهدف عزل الاقتصاد الإيراني وتشديد الخناق على مصادر إيراداته. وتتركز الأنظار خصوصاً على صادرات النفط والشبكات المالية والتجارية التي لا تزال تتيح لطهران الحصول على العملات الأجنبية.
وتكشف بيانات حديثة عن تراجع كبير بالفعل في تدفقات النفط الإيراني إلى الصين، أكبر مشترٍ للخام الإيراني. فقد انخفضت الشحنات إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب، مقابل 823 ألف برميل يومياً في يوليو/تموز، بحسب «رويترز»، في مؤشر على أن الحصار والضغوط الأميركية بدأا يفرضان كلفة متزايدة على قدرة طهران على تصريف نفطها.
لكن الخطر الأكبر بالنسبة إلى النظام الإيراني قد لا يكون في انخفاض عائدات النفط وحده، وإنما في اجتماع عدة أزمات في وقت واحد: عملة منهارة، تضخم مرتفع، تراجع القدرة الشرائية، صعوبة في تمويل الواردات، وضغوط متزايدة على قطاعات الطاقة والتجارة والمصارف.
وفي هذا السياق، يكتسب تصريح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أهمية خاصة. ففي اجتماع مع اقتصاديين عراقيين وإيرانيين في بغداد، قال إن إيران «مهما بلغت قوتها العسكرية، إذا كان الناس جائعين ولم تكن لدينا حركة مالية ونمو اقتصادي وإنتاج وطني، فلن نتمكن من الصمود».
ويكشف هذا التصريح، حتى وإن لم يكن دعوة مباشرة إلى الاحتجاج، عن إدراك داخل مؤسسات الدولة بأن القدرة العسكرية وحدها لا تكفي للحفاظ على الاستقرار إذا تحولت الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية واسعة.
هل تندلع «ثورة الجياع»؟
ليس بالضرورة أن يقود الانهيار الاقتصادي تلقائياً إلى ثورة شعبية، فإيران سبق أن واجهت موجات احتجاج مرتبطة بالأسعار والوقود والعملة، وتمكنت السلطات في مراحل مختلفة من احتوائها باستخدام مزيج من الدعم الاقتصادي والأدوات الأمنية والسياسية.
لكن الوضع الحالي يحمل عناصر مختلفة؛ فالأزمة تأتي بعد أشهر من الحرب والاضطرابات، وفي وقت تتعرض فيه صادرات النفط لضغوط متزايدة، بينما تستعد واشنطن لتوسيع العقوبات. وتقدر توقعات صندوق النقد الدولي، وفق بيانات نقلتها تقارير حديثة، انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4% خلال 2026، مع تضخم يقترب من 70%.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة الإيرانيين على تحمل المزيد من الغلاء، وإنما بقدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من السلع والخدمات والدخل، والحفاظ على تدفق العملة الصعبة.
وإذا استمر الريال في الانهيار، وتراجعت صادرات النفط أكثر، وبدأت العقوبات الأميركية الجديدة تضرب قنوات التجارة والتمويل، فقد تنتقل الأزمة من كونها أزمة اقتصادية خانقة إلى اختبار سياسي واجتماعي مباشر للنظام.