العموم نيوز – كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» أن نحو 150 ألف إسرائيلي غادروا البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، في موجة هجرة تتزامن مع استمرار الحرب والتوترات السياسية والضغوط الاقتصادية، وسط مخاوف متزايدة من تحولها إلى «هجرة عقول» تهدد قطاعات حيوية في الاقتصاد الإسرائيلي.
وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل سجلت صافي هجرة سالباً في عامي 2023 و2024، في ظاهرة نادرة منذ تأسيس الدولة.
ويُتوقع أن يستمر الاتجاه نفسه خلال العام الماضي، رغم تراجع أعداد المغادرين خلال النصف الأول من 2025 بنحو 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتزامنت موجة المغادرة مع أزمات متلاحقة، بدأت بالاحتجاجات الواسعة على خطة حكومة بنيامين نتنياهو لإضعاف صلاحيات القضاء مطلع 2023، ثم هجوم 7 أكتوبر والحرب التي تبعته، قبل أن تتوسع المواجهة إلى جبهات إقليمية متعددة.
ونقلت «فايننشال تايمز» عن باحثين أن المناخ السياسي والاجتماعي، إلى جانب سنوات الحرب، أصبح عاملاً مؤثراً في قرارات عدد متزايد من الإسرائيليين، خصوصاً من أصحاب التوجهات الليبرالية والعاملين في القطاعات عالية المهارة.
أصحاب الدخول المرتفعة في صدارة المغادرين
وتزداد المخاوف من التداعيات الاقتصادية للهجرة مع ارتفاع نسبة أصحاب الدخول المرتفعة بين المغادرين.
وأظهرت دراسة لسلطة الضرائب الإسرائيلية أن معدل مغادرة ذوي الدخل المرتفع، وبينهم العاملون في التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية، اقترب في 2023 و2024 من ضعف مستواه عام 2019.
وحذرت الدراسة من أن استمرار الاتجاه الحالي قد يؤدي إلى خسائر سنوية في الإيرادات الضريبية تصل إلى 3.5 مليارات دولار خلال خمس سنوات.
كما أظهرت دراسة لجامعة تل أبيب زيادة صافي أعداد المغادرين من الأطباء والمهندسين والمتخصصين في التكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات.
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب إيتاي أتر إن إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على رأس مالها البشري، ولذلك فإن استمرار الهجرة قد يمثل «لمحة مسبقة» عن مخاطر أكبر في المستقبل.
التكنولوجيا والجيش أمام الخطر
وتكتسب هذه الهجرة أهمية خاصة بالنسبة إلى قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، الذي يمثل نحو خُمس الناتج الاقتصادي ونصف الصادرات، ويعتمد بصورة أساسية على العمالة عالية المهارة.
لكن التداعيات، وفق اقتصاديين، قد تمتد إلى الجيش والمالية العامة أيضاً، فمغادرة العاملين الأكثر إنتاجية تعني تراجع الإيرادات الضريبية، فيما يؤدي خروجهم إلى تقليص قاعدة القوى العاملة المتاحة للخدمة العسكرية والاحتياط، ما قد يحمّل شريحة أصغر من الإسرائيليين أعباء اقتصادية وعسكرية أكبر.
ويحذر باحثون في المقابل من المبالغة في تقدير حجم الظاهرة، مشيرين إلى أن أصحاب المهارات العالية كانوا تاريخياً أكثر ميلاً للهجرة من غيرهم. لكن الخطر، وفق هذا الطرح، يتمثل في تحول الهجرة إلى ظاهرة «طبيعية» تنشئ شبكات ومجتمعات إسرائيلية في الخارج، ما قد يشجع مزيداً من الأشخاص على المغادرة.
عوامل اقتصادية وسياسية
ولا ترتبط قرارات الرحيل بالحرب والسياسة فقط، إذ تلعب تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار العقارات دوراً مهماً أيضاً.
ونقلت الصحيفة شهادات لإسرائيليين قالوا إنهم تمكنوا بعد الانتقال إلى الولايات المتحدة وأوروبا من شراء مساكن بمواصفات لم تكن في متناولهم داخل إسرائيل.
وفي محاولة للحد من النزيف، بدأت الحكومة اتخاذ إجراءات لتشجيع أصحاب المهارات العالية على العودة، بينها حوافز وإعفاءات ضريبية للعائدين، فيما تراهن السلطات على تحسن الوضع الأمني لاستعادة جزء من المهاجرين.
لكن مستقبل هذه الموجة يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بمسار الحرب والاتجاه السياسي الداخلي. فبالنسبة إلى بعض الإسرائيليين الذين غادروا، لم يعد القرار متعلقاً بتحسين الظروف الاقتصادية فحسب، بل بات مرتبطاً بالسؤال الأوسع: أي إسرائيل يريدون أن يعيش فيها أبناؤهم؟
وترى «فايننشال تايمز» أن استمرار خروج أصحاب الكفاءات قد يتحول من ظاهرة ديموغرافية محدودة إلى تحدٍ استراتيجي، خصوصاً إذا ترافق مع تراجع الهجرة إلى إسرائيل واستمرار الحرب والضغوط الاقتصادية، بما يهدد أحد أهم مصادر قوة الاقتصاد الإسرائيلي: رأس المال البشري.