العموم نيوز – تبدو إسرائيل أمام محاولة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك مع تركيا في سورية، بعد أن كشف قصف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن الاحتكاك المباشر بين قوتين إقليميتين تملكان حضوراً عسكرياً في الساحة السورية.
فبعد أيام من الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مدرجات ومنشآت في القاعدة، بدأت تظهر مؤشرات على أن تل أبيب لا تريد تحويل العملية إلى مواجهة مفتوحة مع أنقرة، خصوصاً مع دخول واشنطن على خط الأزمة بقوة، ودفعها نحو إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسورية.
وكانت إسرائيل قد بررت الضربة بمنع انتشار عسكري تركي في أبو الظهور، قائلة إن معلومات استخبارية أشارت إلى استعداد أنقرة لنشر قوات ومنظومات دفاع جوي في القاعدة. وقال وزير الأمن في حكومة الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش أوصى مراراً بالهجوم استناداً إلى معلومات عن أنشطة تركية محتملة اعتبرتها إسرائيل تهديداً لأمنها.
لكن الرواية الإسرائيلية اصطدمت بنفي تركي وسوري، فقد أكدت أنقرة عدم وجود قوات تركية في القاعدة، فيما قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن الزيارات التركية للموقع كانت مرتبطة بالتدريب وتبادل الخبرات، وليس بإقامة وجود عسكري دائم.
واشنطن تدخل لمنع الانزلاق
الأكثر أهمية في تطورات الأزمة جاء من واشنطن. فالمبعوث الأميركي إلى سورية والسفير لدى تركيا توماس براك وصف الضربة بأنها «تصعيد غير ضروري»، وحذر من أنها كانت قادرة على دفع إسرائيل وتركيا إلى مواجهة عسكرية مباشرة. كما أعلن العمل على إنشاء آلية لفض الاشتباك بين الأطراف الثلاثة لمنع سوء التقدير والحوادث غير المقصودة.
وفي أحدث تصريحاته، قال براك إن الولايات المتحدة خلصت إلى أن المعلومات التي تحدثت عن تحرك قوات تركية إلى القاعدة لم تكن صحيحة، وإن واشنطن لم تتلق إخطاراً مناسباً بالضربة. وأضاف أن تركيا كان يمكن أن تتعامل مع الهجوم بصورة مختلفة لو كانت قواتها موجودة فعلاً في الموقع، ما يوضح حجم الخطر الذي رافق العملية.
وهنا تبدو إحدى نقاط التحول في الحسابات الإسرائيلية: فالتعامل مع الوجود التركي في سورية لم يعد مسألة مواجهة إسرائيلية ـ سورية يمكن لتل أبيب إدارتها عسكرياً، بل بات يتعلق بعضو في حلف شمال الأطلسي، يتمتع بعلاقة وثيقة مع واشنطن.
اتصالات خلف الكواليس
وتزامن التصعيد العلني مع تحرك دبلوماسي وأمني لتطويق تداعياته. ووفق تقارير إسرائيلية، أجرى رئيس جهاز الموساد ديفيد برنياع اتصالاً مع وزير الخارجية السوري بشأن الوجود العسكري التركي في سورية قبل الضربة، في مؤشر إلى أن قنوات الاتصال غير المباشرة لا تزال قائمة رغم التوتر.
كما أن طرح واشنطن إنشاء آلية دائمة لفض الاشتباك بين إسرائيل وتركيا وسورية يعكس رغبة أميركية واضحة في منع تكرار سيناريو أبو الظهور، خصوصاً أن أي حادث جديد قد يتحول سريعاً إلى أزمة أكبر يصعب احتواؤها.
وفي إسرائيل نفسها، ظهرت إشارات إلى الرغبة في تجنب التصعيد، فقد نقلت تقارير إسرائيلية حديثة عن مسؤولين أن تل أبيب «لا مصلحة لها في التصعيد» مع تركيا، حتى مع استمرار المخاوف من احتمال محاولة أنقرة تعزيز وجودها العسكري في سورية مستقبلاً.
وهكذا، فإن ما تغيّر بعد أبو الظهور ليس جوهر الخلاف الإسرائيلي ـ التركي على سورية، بل إدراك كلفة تحويله إلى مواجهة مفتوحة.
إسرائيل تريد الاحتفاظ بحرية الحركة ومنع قيام موطئ قدم عسكري تركي قرب مناطق نفوذها، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي ضربة جديدة قد تستدعي رداً تركياً وتضع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام أزمة مع حليفين رئيسيين.