العموم نيوز – تواجه إيران اختباراً متزايداً لواحدة من أبرز أوراق الضغط التي راهنت عليها منذ اندلاع الحرب: مضيق هرمز. فبعدما سعت طهران إلى استخدام الممر المائي الحيوي للضغط على الولايات المتحدة وخصومها، وهددت بمنع حركة السفن وفرض شروطها على العبور، بدأت أعداد متزايدة من الناقلات وسفن الطاقة في استخدام المضيق، في وقت تتحرك فيه القوات الأميركية لتأمين ممرات بديلة عن المسار الذي تسيطر عليه إيران.
وتكشف بيانات شركة Kpler أن 112 ناقلة وسفينة تحمل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال عبرت مضيق هرمز بين الأول و19 أغسطس/آب، فيما بلغ إجمالي السفن العابرة، بما فيها سفن البضائع والمواد الكيميائية، 236 سفينة خلال الفترة نفسها.
وتشير البيانات إلى أن أكثر من 80% من سفن الطاقة اتبعت مسارات مظلمة أو غير مصنفة، بعدما أغلقت أجهزة التعريف الخاصة بها أو تعذر تحديد مسارها بدقة.
ورغم أن هذه الأرقام لا تعني عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، فإنها تحمل دلالة سياسية مهمة لطهران، فقبل الحرب كان المضيق يشهد عبور نحو 130 سفينة يومياً، وكانت تمر عبره قرابة خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. أما حالياً، فلا تزال حركة الملاحة أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، لكنها لم تتوقف كما كانت تأمل إيران.
والأهم أن الولايات المتحدة نجحت في إنشاء ممر ملاحي جنوبي بمحاذاة الساحل العُماني، تستخدمه ناقلات تحت حماية عسكرية أميركية.
وبحسب أكسيوس، تعبر من هذا المسار بين 15 و20 ناقلة يومياً، فيما يخرج عبر المضيق نحو 10 ملايين برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب نصف مستويات ما قبل الحرب. وفي بعض الأيام ارتفعت الكمية إلى ما بين 15 و20 مليون برميل.
وتؤكد أرقام القيادة المركزية الأميركية هذا الاتجاه؛ إذ قالت إن نحو 1300 سفينة تجارية عبرت المضيق منذ مايو/أيار بمساعدة القوات الأميركية، حاملة أكثر من 660 مليون برميل من النفط الخام.
وبينما تظل هذه الكميات أقل من مستويات ما قبل الحرب، فإنها تعكس أن محاولة خنق حركة الطاقة لم تنجح في إغلاق المضيق بالكامل.
ورقة ضغط تتآكل
المفارقة أن إيران ما زالت قادرة على تهديد الملاحة، ولا يمكن القول إن سيطرتها على المضيق اختفت. لكن قدرتها على استخدامه كورقة ضغط مطلقة تبدو أكثر محدودية.
فبحسب خبراء نقلت عنهم الجزيرة، لا تزال طهران قادرة على تعطيل حركة السفن وتهديدها، إلا أن استخدام مسارات بديلة وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى والإجراءات الأمنية الإقليمية يقلل من قدرتها على التحكم الكامل في حركة التجارة.
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في طبيعة الحركة الحالية، فالكثير من السفن يطفئ أجهزة التتبع خلال العبور، بينما تستخدم ناقلات أخرى المسار الجنوبي القريب من عُمان، بعيداً عن الساحل الإيراني. كما تشير بيانات «Kpler» إلى أن السعودية والعراق والكويت استخدمت ترتيبات مماثلة لإخراج شحنات من المنطقة.
خيارات إيران تضيق
وتزداد صعوبة الموقف الإيراني لأن طهران تواجه في الوقت نفسه حصاراً بحرياً أميركياً يستهدف الموانئ المرتبطة بها، وقد أدى ذلك إلى تراكم ناقلات تحمل النفط الإيراني قرب السواحل الإيرانية، في وقت أصبح فيه نقل النفط إلى الأسواق الخارجية أكثر تعقيداً وكلفة.
وهنا تكمن المعضلة: تستطيع إيران مواصلة تهديد السفن، لكنها تعرف أن استهداف حركة الملاحة على نطاق واسع قد يستجلب رداً أميركياً أقوى، كما قد يدفع دول الخليج إلى تعزيز تعاونها العسكري واللوجستي مع واشنطن.
لذلك، تبدو ورقة هرمز في وضع مختلف عما أرادته طهران، فالمضيق لم يعد أداة يمكن إغلاقها ببساطة ثم انتظار انهيار حركة الطاقة العالمية؛ إذ بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في بناء ترتيبات تسمح باستمرار جزء مهم من التدفقات النفطية.