لندن: محمد الطّورة
استوقفني، كمواطن أردني أعيش في بريطانيا وأدير موقعاً إعلامياً، أن أقرأ وأشاهد وأستمع عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ما جاء على لسان أحد النواب السابقين من أوصاف بحق مجلس النواب الأردني وأعضائه، غير لائقة وصلت إلى وصف المجلس بأنه «تائه وضعيف ومنزوع الهيبة».
وبعيداً عن الأشخاص، فإن ما قيل يستحق التوقف والعتب، لأن مجلس النواب مؤسسة دستورية تمثل الشعب الأردني، ومن حق أي مواطن أو نائب سابق أن ينتقد أداءها، لكن من حق المواطن أيضاً أن يسأل: ما هي المعايير التي استند إليها صاحب هذه الأوصاف؟ وما الأدلة والوقائع التي بنى عليها هذه الأحكام؟
النقد حق، بل هو ضرورة، لكن النقد شيء، وإطلاق الأحكام العامة بحق مؤسسة دستورية كاملة شيء آخر. فإذا كان هناك ضعف في الأداء التشريعي أو الرقابي، فليُحدد، وإذا كانت هناك أخطاء أو تجاوزات، فلتُذكر وقائعها وأدلتها، حتى يكون النقاش موضوعياً ومفيداً، لا مجرد انطباعات أو أوصاف قاسية قد تسيء إلى هيبة المؤسسة وثقة المواطن بها.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل كان مجلس النواب مثالياً عندما كان صاحب هذه التصريحات عضواً فيه، ثم أصبح بعد مغادرته تائهاً وضعيفاً؟ وإذا لم يكن كذلك، فأين نصيبه من المسؤولية عن المرحلة التي كان جزءاً منها؟
هذا السؤال لا يستهدف نائباً سابقاً بعينه، وإنما يطرح ظاهرة تستحق المراجعة: لماذا يلجأ بعض المسؤولين والموظفين العموميين، بعد مغادرة مواقعهم، إلى جلد المؤسسات التي كانوا جزءاً منها، وكأن الخلل بدأ بعد رحيلهم؟ بالطبع، قد يكون لدى المسؤول السابق ما يستوجب النقد، وقد تكون لديه معلومات ووقائع مهمة، لكن ذلك لا يعفيه من تقديم الدليل، ولا يحول تجربته الشخصية إلى حكم مطلق على المؤسسة.
نحن لا نريد إسكات النقد، ولا نريد مؤسسات فوق المساءلة. بل نريد العكس تماماً: مؤسسات قوية تُنتقد، ونقداً مسؤولاً يقود إلى الإصلاح.
ومن هنا، فإن رسالتي ليست دفاعاً عن مجلس النواب ولا عن أعضائه، وإنما دفاع عن قيمة مؤسسات الدولة وهيبتها. فمن يملك دليلاً على الخلل فليقدمه، ومن يرى تقصيراً فليحدده، ومن يوجه اتهاماً فليتحمل مسؤولية ما يقول.
أما إطلاق النعوت والأحكام بحق مؤسسات الوطن من دون أدلة أو براهين، فلا ينبغي أن يتحول إلى ممارسة بلا مسؤولية. فحرية التعبير حق أصيل، لكنها لا تعني إعفاء صاحبها من المسؤولية عما يقوله إذا تجاوز الحدود التي يرسمها القانون، والفصل في ذلك يعود إلى الجهات القضائية المختصة.
عتبنا ليس على من ينتقد، وإنما على من ينتقد بلا معيار، ويصدر حكماً بلا دليل، وينسى أنه كان بالأمس جزءاً من المؤسسة التي يجلدها اليوم.
فمؤسسات الوطن أكبر من الأشخاص، ومجلس النواب ليس ملكاً لنائب سابق أو حالي، وهيبته ليست امتيازاً لأعضائه، وإنما هي جزء من هيبة الدولة.
ولهذا نقول لكل من يتولى مسؤولية عامة ثم يغادرها: انتقد، وصوّب، وأكشف الخلل إن وجد، ولكن كن منصفاً، وقدم دليلك، وتذكر دائماً أن مسؤوليتك عن المؤسسة لا تنتهي بمجرد مغادرة مقعدك فيها.