لم تعد الحرب على غزة بالنسبة للأردن مجرد حرب تجري على بعد مئات الكيلومترات، فقد دفعت هذه الحرب وما تلاها من تحولات في الضفة الغربية والقدس والإقليم بشكل عام، الأردن إلى لحظة استراتيجية فارقة وحاسمة، لم يعد فيها السؤال كيف يحمي الأردن نفسه من أزمات المنطقة، بل بات السؤال: كيف يحمي موقعه في منطقة يجري فيها تغيير قواعد اللعبة وبوتيرة عالية؟ كما فجرت التحولات الجيوسياسية خلال الأعوام الثلاثة الماضية حالة صراعية أخذ ينتقل فيها مركز الثقل تدريجيًا من غزة إلى الضفة الغربية والاقتراب من الأردن، فإسرائيل تمضي في إجراءات تعزز السيطرة المدنية على الضفة وتسرّع واقع الضم، فيما تتصاعد اعتداءات قطعان المستوطنين وعمليات الاستيلاء على الأرض والمياه، وهذه، بتقديري، ليست قضية فلسطينية خالصة، فهي تمس الأردن لأنها تمس مستقبل الدولة الفلسطينية العتيدة وتعقيدات ذلك الهدف، وبالتالي تمس الأمن الوطني الأردني من خلال احتمالات النزوح القسري من الضفة، ومن هنا تصبح إجراءات مقاومة التهجير بالنسبة للأردن أكثر وأبعد من كونها تمثل موقفًا سياسيًا، بل هي عملية دفاع عن الأمن الوطني الأردني، لأن انتقال الأزمة الديمغرافية من الضفة إلى الأردن يمكن أن يحوّل القضية الفلسطينية من صراع على الجغرافيا إلى أزمة داخلية أردنية، وهذا أحد أهداف اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يحكم الآن، وتأتي القدس لتضيف بعدًا آخر، فالوصاية الهاشمية على المقدسات لم تعد مجرد إرث تاريخي، فالتصعيد الإسرائيلي الأخير في المسجد الأقصى يضع الأردن أمام اختبار مباشر لدوره ومكانته، حيث أدرك الأردن ومبكرًا أهمية دوره هذا، ولذلك فقد استضاف مؤخرًا اجتماعًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا لبحث التطورات في القدس.
لذلك ربما تكون الدولة الأردنية أمام تحول تاريخي مهم للغاية، عنوانه التحول من دولة اعتادت منذ التأسيس إتقان “فن إدارة الأزمات” إلى دولة مطالبة بصناعة التوازنات وتفريغ الصواعق التي تحيط بحزامها الجيوسياسي، وهي مهمة أقل ما يقال فيها وعنها إنها في غاية الصعوبة.
إن قدر الأردن أن يعاند الجغرافيا السياسية ويحاول في الوقت ذاته التعامل معها، بل والاستفادة منها… مهمة شاقة عاشها الأردن منذ نشأة الإمارة عام 1921 وما زال يعيشها، والسؤال الذي ينبغي أن يشغل بال صانع القرار لدينا هو: ماذا سيحدث للأردن إذا تغير الإقليم؟ وكيف يمكن له أن يكون أحد صناع النظام الإقليمي الجديد.