«صورة توضيحية لنموذج شهادة دكتوراه، وليست شهادة حقيقية صادرة عن جامعة أو تخص شخصاً بعينه.»
لندن: محمد الطّورة
أثارت قضية الأكاديمي البريطاني جيسون آرداي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كامبريدج، جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والإعلامية البريطانية، بعد استقالته من الجامعة في 5 أغسطس/آب الجاري على خلفية اتهامات تتعلق بالانتحال في أطروحته للدكتوراه، وهي اتهامات نفاها مع إقراره بوجود أخطاء. وبعد أيام، عُثر عليه متوفياً، فيما أكدت الشرطة أن الوفاة كانت مفاجئة ولا تُعامل باعتبارها مشبوهة. وقبل وفاته، كانت جامعة كامبريدج قد أعلنت نيتها مراجعة ظروف تعيينه وأعماله الأكاديمية. وقد أعادت القضية إلى الواجهة سؤالاً أوسع حول مسؤولية الجامعات والمؤسسات في التحقق الدقيق من المؤهلات العلمية والسير الأكاديمية قبل بناء المسارات المهنية والمناصب عليها.
هذه القضية تفتح باباً مهماً أمام الدول العربية لمراجعة منظومة التحقق من المؤهلات العلمية.
بعيداً عن ملابسات الوفاة، وعن الحكم المسبق على الاتهامات التي كانت محل نقاش وتحقيق، فإن القضية تكشف أهمية سؤال بسيط لكنه جوهري: من الذي يتحقق من صحة المؤهلات العلمية والسيرة الأكاديمية للشخص قبل أن يصبح أستاذاً جامعياً أو مستشاراً أو مسؤولاً حكومياً رفيع المستوى؟
في كثير من الدول العربية، قد تتحول شهادة الدكتوراه إلى عنصر حاسم في الترقي الوظيفي، أو الحصول على منصب أكاديمي، أو الوصول إلى موقع إداري أو حكومي متقدم، وأحياناً تصبح كلمة «دكتور» جزءاً من الهوية الرسمية والمهنية للشخص. وهنا لا ينبغي أن يكون الاكتفاء بصورة الشهادة أو خطاب صادر عن جهة ما هو نهاية عملية التدقيق.
المطلوب هو إنشاء منظومة وطنية مؤسسية للتحقق من المؤهلات، لا تستهدف أشخاصاً بعينهم ولا ترتبط بانتماءاتهم السياسية أو الاجتماعية أو العرقية، وإنما تطبق معياراً واحداً على الجميع.
ويشمل ذلك، على سبيل المثال، التحقق المباشر من الجامعة المانحة للشهادة، ومن تاريخ الالتحاق والتخرج، وموضوع الأطروحة، والمشرفين والممتحنين، وإيداع الرسالة في المستودعات العلمية، والتأكد من سلامة الاقتباسات والمراجع، ومراجعة الإنتاج العلمي المنشور، وكذلك التحقق من المناصب والجوائز والزمالات والمهام التي يذكرها الشخص في سيرته الذاتية.
والأهم من ذلك أن هذا التدقيق يجب ألا يقتصر على التعيين الأول. فمن يحصل على الدكتوراه ثم يتدرج إلى منصب أستاذ أو رئيس قسم أو رئيس جامعة، أو ينتقل إلى منصب حكومي رفيع على أساس تخصصه ومؤهلاته، ينبغي أن تكون هناك آلية دورية للتحقق من صحة المعلومات الجوهرية التي بُني عليها مساره المهني.
وينبغي للدول العربية، خصوصاً في المناصب التي تعتمد على الخبرة العلمية، أن تسأل بوضوح: هل الشخص الذي يحمل لقب «دكتور» حاصل فعلاً على الدكتوراه في المجال الذي يمارس فيه؟ وهل الجامعة المانحة معترف بها؟ وهل الأطروحة موجودة ويمكن الرجوع إليها؟ وهل إنتاجه العلمي حقيقي ومنسوب إليه بصورة صحيحة؟ وهل المناصب والخبرات التي تضمنتها سيرته الذاتية قابلة للتحقق؟
والهدف ليس التشكيك في حملة الدكتوراه، وإنما حماية حملة الدكتوراه الحقيقيين وحماية سمعة الجامعات والدولة نفسها.
فالتساهل في التحقق من مؤهل شخص واحد قد لا تكون كلفته مجرد خطأ في تعيين موظف، بل قد تمتد إلى قرارات أكاديمية وعلمية وإدارية وسياسات عامة تُبنى على خبرة غير صحيحة.
كما أن قضية كامبريدج تقدم درساً آخر: التنوع والعدالة في فرص التعيين لا ينبغي أن يتعارضا أبداً مع معايير التدقيق العلمي. المطلوب ليس الاختيار بين التنوع والكفاءة، وإنما الجمع بين الاثنين؛ بحيث يحصل كل شخص على فرصته دون تمييز، وفي الوقت نفسه يخضع الجميع، بلا استثناء، للمعايير العلمية والمهنية ذاتها. وهذا في النهاية هو الضمان الحقيقي للعدالة.
لذلك ربما آن الأوان في الدول العربية لإنشاء «سجل وطني موثوق للمؤهلات الأكاديمية العليا»، مرتبط بالجامعات والجهات المختصة، بحيث يمكن للجهة التي تعيّن أستاذاً جامعياً أو مسؤولاً حكومياً أن تتحقق رسمياً من مؤهلاته بدلاً من الاعتماد على السيرة الذاتية التي يقدمها صاحبها.
الشهادة العلمية تمنح صاحبها مكانة، لكنها في المقابل تمنح المجتمع حقاً في التحقق منها. وكلما ارتفع المنصب الذي يُبنى على هذه الشهادة، ارتفعت مسؤولية الدولة في التدقيق فيها.
والأهم برأيي هو عدم تحويل هذه القضية إلى حملة ضد أصحاب الشهادات الأجنبية أو ضد فئة اجتماعية معينة. الدرس المؤسسي الصحيح هو أن التدقيق يجب أن يكون شاملاً: على الشهادة العربية والأجنبية، وعلى الأستاذ الجامعي والمسؤول الحكومي، وعلى الشخص المشهور وغير المشهور، وبالمعيار نفسه للجميع.
وهذا يجعل النقاش أقوى بكثير؛ لأنه يتحول من «قضية شخص» إلى قضية إصلاح مؤسسي: كيف نضمن أن كل مؤهل علمي يُستخدم للوصول إلى سلطة أكاديمية أو حكومية هو مؤهل حقيقي وقابل للتحقق؟