العموم نيوز: في خضم حرب لم تترك مؤسسة في إيران بمنأى عن آثارها، يبدو أن القيادة الإيرانية اختارت العودة إلى ما تعرفه جيدًا: جنرالات الحرس الثوري المخضرمين. فخلال الأيام الأخيرة، شهدت طهران سلسلة تعيينات أعادت عددًا من أبرز وجوه الجيل المؤسس للحرس إلى مواقع عسكرية وأمنية شديدة الحساسية، في خطوة تبدو أبعد من مجرد إعادة ترتيب للمؤسسة العسكرية، وتحمل دلالات سياسية تتصل بمستقبل النظام نفسه.
فقد عيّن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ستة من كبار القادة في مواقع رئيسية بالقوات المسلحة والحرس الثوري والباسيج. ومن أبرز التعيينات تثبيت أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري برتبة لواء، وتعيين علي عبد اللهي رئيسًا لهيئة أركان القوات المسلحة، إلى جانب تعيين علي أوزمائي قائدًا للقوة البحرية للحرس، وحسين طائب مسؤولًا عن الباسيج. وجاء ذلك بعد تعيين القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلًا للمرشد فيه.
ولا تبدو الأسماء المختارة عابرة في حسابات القيادة الإيرانية. فأحمد وحيدي ينتمي إلى الجيل الأول من الحرس الثوري، وتولى في السابق قيادة قوة القدس، كما يمتلك خبرة طويلة في العمل الاستخباري والأمني والحرب غير المتكافئة. أما محسن رضائي، فهو أحد أبرز القادة التاريخيين للحرس، فيما يمثل حسين طائب أحد أكثر الأسماء ارتباطًا بالمنظومة الأمنية والاستخبارية للنظام.
وتشير هذه العودة اللافتة إلى أن طهران لا تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها أزمة عسكرية عابرة، وإنما باعتبارها تهديدًا وجوديًا متعدد الجبهات. فالحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل أظهرت ثغرات خطيرة في منظومة القيادة والأمن والدفاع الإيرانية، وأدت إلى مقتل عدد من كبار القادة. وفي المقابل، عززت الحرب نفوذ الحرس الثوري داخل بنية الحكم، بعدما باتت المؤسسات العسكرية والأمنية في قلب عملية صنع القرار. وقد خلص تحليل لرويترز إلى أن الحرس أصبح أكثر نفوذًا في إدارة شؤون الدولة خلال الحرب، فيما رأى تحليل آخر أن الحرب أدت إلى مزيد من ترسيخ الحرس داخل السياسة والمجتمع الإيراني.
لكن البعد العسكري ليس وحده الذي يفسر هذه التعيينات. إيران تواجه في الوقت نفسه أزمة اقتصادية عميقة، مع تراجع صادرات النفط، وارتفاع التضخم إلى مستويات تتجاوز 80% وفق تقارير حديثة، فضلًا عن انكماش اقتصادي متوقع وتزايد الضغوط على الأسر والأسواق. وفي مثل هذه الظروف، يصبح إحكام السيطرة الأمنية والسياسية وسيلة لحماية النظام من تداعيات اقتصادية قد تتحول إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية.
ومن هنا، يمكن قراءة عودة «الحرس القديم» باعتبارها محاولة لبناء جبهة داخلية أكثر تماسكًا، فالقيادة الجديدة تحتاج إلى رجال تثق بولائهم، وتعرف قدرتهم على إدارة الأزمات، وليس بالضرورة إلى قيادات جديدة تحمل أفكارًا مختلفة. وهذا ما خلص إليه محللون تحدثوا إلى الجزيرة، معتبرين أن التعيينات تعكس أولوية تماسك النظام والولاء السياسي على التجديد العسكري، وأنها تهدف إلى إعادة تنظيم هيكل القيادة استعدادًا لمواجهة طويلة.
فهل يستطيع هؤلاء الجنرالات إنقاذ النظام؟
يرى محللون أنهم قد ينجحون في تأجيل الانهيار، وإعادة ضبط المؤسسة العسكرية والأمنية، وتشديد القبضة على الداخل، ورفع قدرة إيران على الصمود أمام الضغوط الخارجية، لكنهم لا يملكون وحدهم حلولًا للأزمة الاقتصادية، ولا يستطيعون محو آثار الحرب أو استعادة القدرات التي دُمرت، كما أن الاعتماد المتزايد على الجناح العسكري قد يوسع الفجوة بين النظام والمجتمع.
لذلك، فإن عودة جنرالات الحرس القديم قد لا تكون، في جوهرها، مؤشرًا على قوة النظام بقدر ما هي علامة على ضعفه، فهي تكشف أن طهران، تحت ضغط الحرب والعقوبات والاقتصاد المتداعي، لا تتجه نحو الانفتاح أو إعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة، بل نحو مزيد من العسكرة وتركيز القرار في أيدي الحلقة الأكثر صلابة داخل النظام.
وقد يمنح ذلك القيادة الإيرانية وقتًا إضافيًا، لكنه لا يضمن لها الخروج من أزمتها. فجنرالات الحرس يستطيعون إدارة الحرب، وربما إدارة الانهيار لفترة، لكن إنقاذ النظام يتطلب أكثر من إعادة تدوير رجاله القدامى.