لندن: محمد الطّورة
في زمنٍ أصبح فيه الثناء يُفسَّر على أنه مصلحة، والإنصاف يُؤوَّل على أنه تملق، بات كثيرون يحجمون عن قول كلمة الحق في الرجال، خشية أن تُساء النوايا قبل أن تُقرأ الكلمات. وكأننا، من فرط ما رأينا من النفاق، أصبحنا نتوجس حتى من الصدق.
ولذلك، أبدأ مقالي هذا بتوضيح أراه حقًا للقارئ عليّ، قبل أن يكون دفاعًا عن نفسي.
فما سأكتبه اليوم لا تحركه منفعة، ولا يمليه طموح إلى منصب، ولا رغبة في التقرب من أحد. فقد مضى من العمر ما يكفي لأن يدرك الإنسان أن المكاسب الحقيقية ليست فيما يناله من الناس، وإنما فيما يتركه من أثر طيب وكلمة صادقة.
أمضيت أكثر من ثلاثة عقود في خدمة الدولة الأردنية، وأتيحت لي، بحكم عملي، فرصة معايشة مختلف مستويات المسؤولية فيها؛ وتشرفت بالتعامل عن قرب مع عدد من أبناء الأسرة الهاشمية، ورؤساء الحكومات، والوزراء، ورؤساء مجلسي الأعيان والنواب، وكثير من رجالات الدولة. ولم يعرف عني يومًا أنني سعيت إلى منفعة خاصة، أو اتخذت من الوظيفة سلّمًا لمكسب شخصي، لأنني كنت أؤمن، وما زلت، أن الوظيفة العامة أمانة، وأن احترام الإنسان لنفسه يبدأ من احترامه لواجبه.
وهذه القناعة لم أصنعها وحدي، بل ورثتها عن والدي، رحمه الله، الذي خدم في صفوف القوات المسلحة الأردنية، ثم واصل رسالته بعد التقاعد في خدمة الناس، مؤمنًا بأن خدمة الوطن لا تنتهي بانتهاء الوظيفة، وأن الوطنية ليست شعارًا يُرفع، وإنما خلقٌ يُمارس، ومسؤوليةٌ تُؤدى.
ومن هذا المنطلق أكتب..
لا لأتحدث عن رجل، وإنما عن قيمة.
فالأوطان لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، بل تُبنى بالمعاني التي يمثلونها، وبالثقافة التي يرسخونها في ممارسة المسؤولية. والرجال يرحلون عن مواقعهم، أما المبادئ التي يعملون بها فإنها تبقى، إذا كانت جديرة بالبقاء.
ولعل أجمل ما اختزنته الذاكرة الشعبية قولها: “اللي في الرجال بنعد.” وهو مثل لا يدعو إلى تمجيد الأشخاص، بل إلى إنصافهم. ففضائل الرجال لا تُعد لأنهم أصحاب مناصب، وإنما لأن أعمالهم تشهد لهم، ولأن الأمم التي لا تنصف المخلصين، لا تستطيع أن تقدم للأجيال نماذج يُحتذى بها.
ومن هنا، أجد في تجربة معالي السيد يوسف العيسوي رئيس الديوان الملكي الهاشمي مثالًا يستحق التأمل.
لا أقول ذلك لأن الرجل بمنأى عن النقد، فليس في العمل العام من هو فوق النقد، وإنما لأن الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن هناك من يتعامل مع المنصب بوصفه تكليفًا، لا تشريفًا، ومسؤوليةً، لا وجاهة.
هذا الرجل انتقل من المؤسسة العسكرية الأردنية، التي كانت وستبقى مدرسة في صناعة الانضباط والولاء والالتزام، إلى رئاسة الديوان الملكي الهاشمي، محتفظًا بذات الروح؛ روح الجندية التي ترى في الواجب شرفًا، وفي خدمة الناس رسالة.
ومن يتابع حضوره في مختلف محافظات المملكة، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها مخيماتها وأريافها وبواديها، يلحظ أنه لا يكتفي بإدارة مؤسسة، بل يؤدي دورًا ميدانيًا متواصلًا، ممثلًا لنهج القيادة الهاشمية في القرب من المواطنين، ومتابعة شؤونهم، ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، وإنجاز ما يُكلَّف به من مهام ملكية، في وقت تتوزع فيه مسؤوليات جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بين ملفات وطنية وإقليمية ودولية جسام.
ولست هنا بصدد إحصاء المواقف، ولا تعداد الإنجازات، فذلك ليس غاية هذا المقال. وإنما الغاية أن أقول للأجيال الجديدة إن خدمة الوطن لا ترتبط بعمر، ولا بمنصب، ولا بساعات الدوام الرسمي. إنها نهج حياة، وإيمان بأن المسؤولية لا تُقاس بما يمنحه المنصب لصاحبه، بل بما يضيفه صاحبه إلى المنصب.
وخلال سنوات خدمتي، رأيت مسؤولين غادروا مواقعهم، فلم يبقَ منهم إلا الاسم في الأرشيف. ورأيت آخرين بقيت سيرتهم حاضرة في وجدان الناس، لأنهم أدركوا أن الكرسي وسيلة لخدمة المواطن، لا حاجزًا بينه وبين الدولة.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو إعادة الاعتبار إلى ثقافة الإنصاف. فمن حق المجتمع أن ينتقد المسؤول إذا أخطأ، لكن من واجبه أيضًا أن يعترف له إذا أحسن. فالعدل لا يكون في المحاسبة وحدها، وإنما يكون كذلك في الشهادة المنصفة.
إن التملق يُفسد الدولة، كما يفسدها الظلم. أما الإنصاف، فهو الذي يحفظ ميزانها الأخلاقي، لأنه يمنح كل ذي حق حقه، دون مبالغة في المديح، ودون جحود للجهد.
ولذلك، فإن هذا المقال ليس شهادة لشخص بقدر ما هو شهادة لفكرة أؤمن بها؛ وهي أن الوطن يحتاج إلى رجال يعملون بصمت، وإلى مجتمع يعرف كيف ينصفهم، لأن الأمم التي تنكر المخلصين لا تُحسن صناعة المخلصين.
ولهذا اخترت عنوان المقال: “اللي في الرجال بنعد.”
فالرجال لا تُخلدهم المناصب، وإنما تُخلدهم المواقف. ولا يبقى من المسؤول بعد أن يغادر موقعه إلا ما تركه من أثر في الناس، وما أداه من أمانة، وما كتبه بعمله في سجل الوطن.
ويبقى الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته ورجاله المخلصين، أكبر من الأشخاص جميعًا، وتبقى خدمة الوطن شرفًا لا يمنحه المنصب، بل يمنحه الضمير.

