انقلاب في العلاقات الإيرانية الخليجية… هل تعيد طهران قراءة الجغرافيا؟
لطالما حكمت العلاقات الإيرانية الخليجية معادلة معقدة تتأرجح بين ضرورات الجغرافيا وإكراهات السياسة. فعلى الرغم من عقود من التوتر والتنافس، ظلت هناك محاولات متكررة لاحتواء الخلافات، انطلاقاً من قناعة راسخة لدى دول الخليج بأن استقرار الإقليم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الحوار، واحترام السيادة، وبناء منظومة أمنية قائمة على المصالح المشتركة.
غير أن الحرب الدائرة وما رافقها من اعتداءات إيرانية طالت أراضي عدد من دول الخليج أحدثت انقلاباً في هذا المسار. فلم تعد هذه الاعتداءات تُنظر إليها باعتبارها تطوراً عسكرياً عابراً أو امتداداً لصراع قائم، بل أصبحت نقطة تحول استراتيجية أعادت صياغة نظرة دول الخليج إلى طبيعة العلاقة مع إيران، وأعادت الاعتبارات الأمنية إلى صدارة المشهد بعد أن كانت الدبلوماسية قد فتحت نافذة أمل لإعادة بناء الثقة.
لقد جاء هذا الانقلاب في العلاقات في توقيت كانت فيه المنطقة تشهد مؤشرات على انفراج نسبي، سواء من خلال استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران وبعض دول الخليج، أو عبر تصاعد الرهانات على بناء تفاهمات إقليمية تخفف من حدة الاستقطاب. إلا أن استخدام القوة أو توسيع دائرة الصراع ليطال دولاً لم تكن طرفاً مباشراً فيه بدد جانباً مهماً من الثقة التي بدأت تتشكل، وأثار تساؤلات جدية حول مستقبل أي مشروع للأمن الإقليمي تشارك فيه إيران.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الاقتصاد وأمن الطاقة والملاحة البحرية والاستثمارات والاستقرار الإقليمي. فدول الخليج وإيران تتقاسم فضاءً جغرافياً واحداً، وترتبط مصالحها بأمن الخليج العربي، وسلامة طرق التجارة الدولية، واستقرار أسواق الطاقة. ومن ثم، فإن أي تصعيد عسكري أو أمني لا يهدد طرفاً بعينه، بل ينعكس على الجميع، ويقوض فرص التنمية والازدهار في منطقة تمتلك من الإمكانات ما يؤهلها لأن تكون إحدى أكثر مناطق العالم استقراراً ونمواً.
إن الجغرافيا، على خلاف السياسة، لا تتغير. فإيران ستظل دولة جوار لدول الخليج، كما ستظل دول الخليج الشريك الجغرافي والاقتصادي والأمني الأكثر التصاقاً بإيران. ومن هنا، فإن منطق القوة لا يمكن أن يشكل أساساً دائماً للعلاقات، لأن حقائق الجوار تفرض في النهاية العودة إلى التفاهم، مهما طال أمد الخلافات.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة لأن تعيد طهران مراجعة مقاربتها تجاه محيطها الخليجي. فالمراجعة المطلوبة لا تعني التنازل عن المصالح الوطنية، وإنما إعادة تعريف وسائل حمايتها بما ينسجم مع مبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، والامتناع عن أي أعمال من شأنها زعزعة أمن الإقليم أو تهديد استقراره. كما أن إدراك المصالح المشتركة يقتضي تغليب منطق التعاون على منطق المواجهة، لأن كلفة الصراع ستكون أكبر على الجميع، وفي مقدمتهم إيران نفسها.
لقد أحدثت الحرب الأخيرة انقلاباً في العلاقات الإيرانية الخليجية، لكن هذا الانقلاب لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، بل يمكن أن يتحول إلى لحظة مراجعة استراتيجية تدفع جميع الأطراف، وفي مقدمتها إيران، إلى إعادة تقييم سياساتها. فاستقرار الخليج ليس مصلحة خليجية فحسب، بل هو مصلحة إيرانية وإقليمية ودولية. وكلما أدركت طهران أن أمنها يبدأ من أمن جوارها، وأن النفوذ المستدام يُبنى بالثقة والشراكة لا بالتصعيد، ازدادت فرص استعادة العلاقات لمسارها الطبيعي، وتحويل الجوار الجغرافي من مصدر للتوتر إلى قاعدة للتعاون والاستقرار.

