لندن: محمد الطّورة
عندما يتعرض الأردن للخطر، تتحدث السعودية بلغة الأخوة قبل السياسة، وتؤكد أن أمن المملكة الهاشمية جزء من أمنها القومي والعربي.
لم تكن المملكة العربية السعودية يومًا دولة تبحث عن المواقف الموسمية، ولم يكن الأردن بالنسبة لها جارًا عابرًا في الجغرافيا أو شريكًا في البيانات السياسية، بل ظل، منذ تأسيس الدولتين، شقيقًا وسندًا وركنًا أصيلًا في منظومة الأمن العربي. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تجدد المملكة العربية السعودية إدانتها للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت أمن المملكة الأردنية الهاشمية، وأن تؤكد وقوفها الكامل إلى جانب الأردن في حماية سيادته واستقراره، في موقف يجسد سياسة سعودية ثابتة لم تتغير بتغير الظروف أو تبدل موازين القوى.
فالعلاقات الأردنية السعودية ليست علاقة مصالح آنية، بل هي قصة تاريخ طويل من الأخوة السياسية، والتكامل الاقتصادي، والتنسيق الأمني والعسكري، والثقة المتبادلة التي أرساها ملوك آل سعود والهاشميون، حتى أصبحت نموذجًا عربيًا يحتذى في الثبات والوفاء.
لقد بدأت هذه العلاقة رسميًا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما تبادل الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود والأمير عبدالله بن الحسين برقيات الاعتراف المتبادل بين المملكة العربية السعودية وإمارة شرق الأردن، لتبدأ صفحة جديدة من العلاقات العربية التي سرعان ما تحولت إلى واحدة من أكثر العلاقات رسوخًا في المنطقة.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تنقطع خيوط التواصل بين القيادتين، بل ازدادت قوة مع تعاقب الملوك، فكان الملك سعود، ثم الملك فيصل، فالملك خالد، فالملك فهد، فالملك عبدالله، وصولًا إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، يرسخون نهجًا ثابتًا يقوم على أن استقرار الأردن هو استقرار للعالم العربي، كما حافظ الهاشميون، من الملك عبدالله الأول إلى الملك طلال، ثم الملك الحسين بن طلال، وجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، على علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والتنسيق المستمر مع المملكة العربية السعودية.
ولم تكن هذه العلاقة مجرد شعارات، بل عبر عنها قادة البلدين في مناسبات عديدة.
فقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في مقابلة صحفية عام 1999 أن:
العلاقات السعودية الأردنية قوية وتاريخية، وقد أُرسيَت عبر عقود على أسس متينة من التعاون المثمر والبنّاء لما فيه مصلحة الشعبين والأمة العربية الواحدة.
وأضاف:
العلاقات الأخوية بين الأسرتين المالكتين في الأردن والسعودية كانت دائمًا راسخة، واتسمت بالوضوح والصفاء والتفاهم تجاه مختلف القضايا العربية.
كما جاء في البيان المشترك الصادر خلال زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى الأردن عام 2017 أن البلدين يؤكدان:
العلاقات الأخوية الراسخة والمتميزة بين المملكتين، والرغبة المشتركة في تعزيزها في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والاستثمارية.
- وحدة المصير: تأكيده الدائم على أن ما يهم الأردن يهم السعودية، وأن ما يضر الأردن يضر المملكة أيضاً.
- الدعم الاقتصادي: دعوته واستضافته لقمة مكة (2018) لدعم الأردن اقتصادياً، والتي أسفرت عن حزمة مساعدات وودائع مالية بقيمة 2.5 مليار دولار.
وفي عام 2022، أعاد البيان المشترك الصادر عقب لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان التأكيد على أن اللقاءات جرت:
في أجواء أخوية جسدت العلاقات التاريخية الوثيقة بين المملكتين، والحرص على تعزيز التعاون بما يحقق المصالح المشتركة.
هذه ليست مجرد عبارات بروتوكولية، وإنما ترجمة لمسيرة طويلة من العمل المشترك.
فعلى الصعيد السياسي، وقفت المملكة العربية السعودية باستمرار إلى جانب الأردن في مختلف المحافل العربية والإسلامية والدولية، ودعمت جهوده في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وعن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وساندت كل المبادرات الرامية إلى تحقيق السلام العادل والشامل، انطلاقًا من قناعة مشتركة بأن استقرار الأردن يمثل حجر أساس لاستقرار المنطقة بأسرها.
أما اقتصاديًا، فقد كانت المملكة العربية السعودية على الدوام الشريك العربي الأكبر للأردن في العديد من المحطات التاريخية. فمن خلال الاستثمارات الضخمة، والمساهمات التنموية، وتمويل المشاريع الحيوية، والمنح والمساعدات الاقتصادية، كان الدعم السعودي حاضرًا كلما احتاج الأردن إلى سندٍ عربي صادق.
ولا يمكن استذكار هذه المواقف دون التوقف عند قمة مكة عام 2018، عندما دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى اجتماع ضم الأردن والإمارات والكويت، وأسفر عن حزمة دعم اقتصادي للأردن بقيمة 2.5 مليار دولار، تضمنت ودائع في البنك المركزي، وضمانات للبنك الدولي، ودعمًا للموازنة وتمويلًا لمشروعات تنموية، في رسالة واضحة بأن استقرار الأردن أولوية عربية، وأن المملكة لا تترك أشقاءها في أوقات التحديات.
وعلى المستوى العسكري والأمني، شكّل البلدان نموذجًا عربيًا متقدمًا في التنسيق والتعاون. فالتشاور المستمر، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وتبادل الخبرات الأمنية، والتدريبات المشتركة، والتنسيق في مواجهة التحديات الإقليمية، جميعها تؤكد أن العلاقة بين الرياض وعمّان تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية، لتصبح شراكة استراتيجية في حماية الأمن العربي.
ولذلك، عندما تعرض الأردن مؤخرًا لاعتداءات وانتهاكات مرتبطة بالتصعيد الإيراني في المنطقة، لم تتردد المملكة العربية السعودية في إعلان موقفها الواضح بإدانة تلك الاعتداءات والتأكيد على وقوفها الكامل إلى جانب الأردن، في رسالة سياسية تؤكد أن أمن المملكة الأردنية الهاشمية ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل قضية عربية تمس الأمن الإقليمي بأسره.
إن ما يميز العلاقات الأردنية السعودية أنها لم تُبنَ على تقاطع المصالح المؤقتة، وإنما على الثقة المتبادلة، والاحترام، ووحدة المصير. ولهذا بقيت هذه العلاقة ثابتة في زمن تبدلت فيه التحالفات، وتغيرت فيه الحسابات السياسية.
واليوم، يستذكر الأردنيون بكل الاعتزاز والامتنان مواقف المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، ويثمنون هذا السجل الطويل من الدعم السياسي والاقتصادي والأمني، ويؤكدون أن الأخوة الحقيقية تُقاس بالفعل لا بالقول، وبالمواقف لا بالشعارات.
لقد أثبت التاريخ أن الرياض وعمّان كانتا، وستبقيان، جناحين للأمة العربية، وأن ما زرعه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، والملك عبدالله الأول بن الحسين، ورعاه من بعدهما ملوك آل سعود والهاشميون، أصبح إرثًا سياسيًا راسخًا لا تهزه الأزمات ولا تبدله المتغيرات.
وفي زمن تتعاظم فيه التحديات الإقليمية، تبقى العلاقة الأردنية السعودية عنوانًا للحكمة والاعتدال والتضامن العربي، ونموذجًا يؤكد أن الأخوة الصادقة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل عهدٌ يتجدد في كل موقف، ورسالةٌ تقول إن أمن الأردن والسعودية واحد، ومستقبلهما واحد، ومصيرهما المشترك سيظل ركيزةً لأمن الأمة العربية واستقرارها

