لندن: محمد الطّورة
العدالة وسيادة القانون: أساس الثقة وحماية الوطن
تقوم قوة الدولة وهيبتها الحقيقية على عدالة مؤسساتها، وعلى ثقة المواطن بأن القانون يُطبّق على الجميع دون تمييز أو استثناء. فالدولة التي تحمي المال العام، وتصون حقوق مواطنيها، وتتعامل مع أي شبهة أو تجاوز عبر القنوات القانونية، هي دولة قادرة على تعزيز الاستقرار وترسيخ الشعور بالانتماء والمسؤولية لدى أبنائها.
تابعتُ خلال الأيام الأخيرة، بصفتي مواطناً أردنياً مقيماً في الخارج، كماً كبيراً من المقالات والتصريحات والمنشورات التي تناولت شبهات فساد مالي وإداري في عدد من الوزارات والمؤسسات، بما في ذلك ما أُثير حول أحد الوزراء وابنه بشأن عطاءات حكومية وتعيينات. ومهما تعددت الآراء أو تضاربت المعلومات، فإن المصلحة الوطنية تقتضي أن تُعالج هذه القضايا بعيداً عن الشائعات والأحكام المسبقة، وأن تُترك للجهات المختصة والقضاء العادل.
ومن منطلق الحرص والغيرة على سمعة وطننا الغالي، أطالب من خلال هذا المقال المنشور في موقع “العموم نيوز” بأن لا تكتفي الدولة، عند وجود شبهات أو مخالفات تستدعي المساءلة، بإحالة المعنيين إلى التقاعد أو الاستغناء عن خدماتهم أو طلب تقديم استقالاتهم، بل بإحالة الملفات إلى القضاء الأردني المختص ليقول كلمته الفصل فيها، إنصافاً لجميع الأطراف وحمايةً لحق المجتمع في معرفة الحقيقة.
فالإجراء الإداري، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده في القضايا التي تمس المال العام أو تتعلق باستغلال الوظيفة أو النفوذ. إذ قد يؤدي إنهاء الخدمة أو التقاعد إلى إبعاد الشخص عن موقعه، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: هل ثبتت المخالفة فعلاً؟ وهل ترتب عليها ضرر بالمال العام أو بحقوق المواطنين؟ هذه الأسئلة لا يملك الإجابة عنها إلا القضاء، بعد تحقيق مهني وفحص للأدلة وسماع لجميع الأطراف.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الشبهات المتداولة إلى إدانة اجتماعية أو إعلامية تمس الوطن والمواطن. فالمتهم لا يُدان بمجرد تداول اسمه أو تكرار الحديث عنه، وإنما بحكم قضائي عادل ونهائي. والتحقيق القضائي ليس عقوبة، بل ضمانة مزدوجة: فهو يحمي المجتمع من التجاوزات إن ثبتت، ويحمي الأفراد من الظلم والتشهير إن لم تثبت التهم بحقهم.
إن الشفافية في التعامل مع القضايا العامة ضرورية لوقف الاجتهادات والتحليلات والاتهامات الجزافية. فحين يعلم المواطن أن الملفات التي تثار حولها شبهات قد أُحيلت إلى الجهات المختصة، وأن القضاء ينظر فيها باستقلالية، تقل مساحة الإشاعات، ويصبح النقاش العام أكثر مسؤولية. كما أن إعلان الإجراءات ضمن الحدود التي يسمح بها القانون يبعث برسالة طمأنة مفادها أن الدولة لا تتجاهل أي ادعاء جدي، ولا تسمح في الوقت ذاته بإدانة الناس خارج إطار القضاء.
وتزداد أهمية هذه المساءلة عندما تتعلق بمن يشغل منصباً عاماً إن كان وزيراً أو غفيراً. فالوظيفة العامة ليست امتيازاً شخصياً، بل أمانة ترتبط بحقوق الناس وأموالهم ومصالحهم. ولا يجوز لأي مسؤول أن يستغل موقعه لتحقيق منفعة خاصة، أو لتقديم الأقارب والمعارف على أصحاب الكفاءة، أو للتأثير في العطاءات والتعيينات والقرارات الإدارية بما يخدم مصالح ضيقة.
فالفساد لا يقتصر على الاختلاس أو الاستيلاء المباشر على المال العام، بل يشمل أيضاً المحاباة والواسطة واستغلال النفوذ. إن حرمان مواطن مؤهل من فرصة عمل أو وظيفة يستحقها، ومنحها لشخص آخر بسبب القرابة أو الصداقة أو المصاهرة، هو اعتداء على مبدأ تكافؤ الفرص وإضرار بالمؤسسات العامة. كما أن أثره لا يقل خطورة عن سرقة المال العام، لأنه يهدر الكفاءات، ويضعف الثقة، ويشعر المواطن بأن حقه قد أصبح خاضعاً للعلاقات بدلاً من الجدارة.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن إحالة بعض المسؤولين والموظفين من وزراء ومدراء اجهزة إلى القضاء عند وجود شبهات جدية هي الطريق السليم لحماية الدولة وسمعة مؤسساتها. فقد أنتهت بعض القضايا إلى الإدانة والعقوبة عندما تثبت الأدلة، وقد أنتهت قضايا أخرى إلى البراءة عندما لم تتوافر الأدلة الكافية. وفي الحالتين تتحققت العدالة: فالمخطئ تمت يمحاسبته، والبريء تم إنصافه، واعرف لمجتمع أن القانون كان هو الفيصل.
إن تبرئة من لم تثبت بحقه التهمة ليست فشلاً في مكافحة الفساد، بل هي دليل على نزاهة القضاء واحترامه للحقوق. كما أن محاسبة من تثبت مسؤوليته ليست تشهيراً أو انتقاماً، بل حماية للمال العام، وصون لحقوق المواطنين، ورسالة واضحة لكل من يتولى منصباً بأن المسؤولية العامة لا تمنح امتيازاً فوق القانون.
إن الأردن يحتاج دائماً إلى ترسيخ هذه القاعدة: لا أحد فوق القانون ولا أحد خارج المساءلة، ولا إدانه لإحد قبل صدور حكم قضائي عادل. وعندما يلمس المواطن أن القانون يطبق على الجميع، وأن الوظيفة العامة أمانة لا وسيلة للمنفعة، وأن القضاء هو المرجع في الفصل بين الادعاء والحقيقة، فإن ثقته بالدولة ومؤسساتها ستزداد، وستبقى سمعة الوطن مصانة بما يليق به وبأبنائه.

