لندن: محمد الطّورة
التاريخ لا يكرر نفسه دائمًا، لكنه كثيرًا ما يعيد المشاهد ذاتها… عندما يصر البعض على تكرار الأخطاء نفسها.
قبل الخوض في هذا الموضوع، أجد من الضروري أن أوضح حقيقة لا تقبل اللبس: لا أحد، وفي مقدمتهم كاتب هذه السطور، يتمنى أن يرى الفساد يضرب أي دولة، أو أن تُوجَّه تهمة الفساد إلى أي إنسان، مهما علا منصبه أو كبرت مكانته، ما لم تثبت مسؤوليته وفق القانون والقضاء. كما أن هذا المقال لا يُكتب بدافع الشماتة، ولا رغبة في التشهير، فالمصائب لا تُقابل بالفرح، والعدالة لا تُبنى على الانفعالات.
لكن في المقابل، فإن الفساد ليس مجرد مخالفة إدارية أو تجاوز مالي، بل هو سرطان ينهش جسد الوطن، ويبدد ثرواته، ويغتال أحلام مواطنيه، ويحرمهم من حقهم في التنمية والعيش الكريم. وعندما يبلغ الأمر هذا الحد، يصبح الصمت تواطؤًا، والتغاضي مشاركة غير مباشرة في استمرار هذه الآفة، لأن السكوت عن الفساد لا يقل خطرًا عن ممارسته.
ومن هذا المنطلق جاءت فكرة هذا المقال؛ ليس لإصدار الأحكام على أحد، ولا لاستباق ما تقوله جهات التحقيق والقضاء، وإنما لإطلاق جرس إنذار ورسالة تحذير لكل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الأوطان والاعتداء على المال العام من خلال موقعه. فالتاريخ القريب يحمل من الدروس ما يكفي، وتجارب الأمس لا تزال شاهدة على أن من يظن أن المال المنهوب سيمنحه نفوذًا أو حصانة، قد يجد نفسه في لحظة واحدة يفقد المال والسمعة والحرية معًا.
في الأيام الأخيرة، تصدرت أخبار حملات ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد في بعض الدول واجهة المشهد، وهو أمر يبعث على الأمل إذا ما تُرجم إلى إجراءات قانونية عادلة وشفافة تعيد للدولة هيبتها وتحفظ المال العام. فمكافحة الفساد ليست حدثًا إعلاميًا عابرًا، وإنما اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية مؤسساتها واستعادة ثقة مواطنيها.
لكن، وبينما كنت أتابع تلك الأخبار، قفز إلى ذهني مشهد لا يزال حاضرًا في ذاكرة المنطقة؛ مشهد الفنادق الفاخرة التي تحولت في الماضي القريب، في ظروف استثنائية في بعض الدول، من وجهة لكبار رجال الأعمال والسياح إلى عنوان يتردد في نشرات الأخبار المرتبطة بملفات مكافحة الفساد.
ومن هنا جاء السؤال الذي قد يبدو ساخرًا، لكنه يحمل في طياته رسالة أعمق من السخرية نفسها: هل تعود فنادق الخمس نجوم للازدحام… بنزلاء قضايا الفساد؟
قد يبتسم البعض لهذا السؤال، لكنه في الحقيقة يختصر مفارقة مؤلمة. فمنشآت شُيدت لتكون رمزًا للازدهار الاقتصادي والسياحة والاستثمار، قد تجد نفسها في لحظة استثنائية مرتبطة بملفات كان الأولى ألا توجد أصلًا. وليس المقصود هنا التنبؤ بما سيحدث، أو الإيحاء بأن الفنادق ستكون جزءًا من أي إجراءات، وإنما استحضار صورة أصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية والإعلامية في المنطقة.
والمفارقة الأكبر أن كثيرًا من الفنادق الكبرى تعاني اليوم من تراجع نسب الإشغال نتيجة الظروف الاقتصادية والإقليمية، وانخفاض حركة السفر والاستثمار، حتى بات قطاع الضيافة من أكثر القطاعات تأثرًا بالأزمات. وبين هذا الواقع، وذلك المشهد الذي يتذكره الجميع، يولد سؤال استنكاري يحمل قدرًا من السخرية السوداء أكثر مما يحمل من التوقع: هل يمكن أن يصبح الفساد سببًا في انتعاش الفنادق، بعدما كان سببًا في خراب الاقتصاد؟
إن الإجابة التي يتمناها كل مواطن شريف هي: لا.
فالانتصار الحقيقي على الفساد لا يكون بإيجاد أماكن راقية لإقامة المتهمين، وإنما بمنع وقوع الجريمة أصلًا، عبر بناء مؤسسات قوية، وتفعيل الرقابة، وإرساء الشفافية، ومحاسبة كل من يعتدي على المال العام دون استثناء أو انتقائية.
إن الفاسد لا يسرق المال فقط، بل يسرق مدرسة كان يمكن أن تُبنى، ومستشفى كان يمكن أن يُجهز، وطريقًا كان يمكن أن يختصر معاناة الناس، وفرصة عمل كانت كفيلة بإنقاذ أسرة من الفقر. ولذلك فإن خسائر الفساد لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل تُقاس بالأحلام التي تُجهض، والثقة التي تتآكل، والأوطان التي تتراجع.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل من يفكر في مد يده إلى المال العام: هل يستحق مكسب مؤقت أن يخسر الإنسان سمعته، وتاريخه، وحريته؟ وهل يظن أن ما أخفاه عن أعين الناس سيبقى بعيدًا عن أعين العدالة إلى الأبد؟
إن التاريخ يقول غير ذلك.
ولعل استحضار تلك المشاهد ليس دعوة إلى تكرارها، بل دعوة إلى تجنبها. فالفساد، مهما طال به الزمن، ينتهي غالبًا بمشهد واحد؛ أموال ضائعة، وسمعة مهدورة، وحرية مقيدة، ووطن يدفع الثمن.
ولذلك، فإن الرسالة التي أود أن أختم بها ليست موجهة إلى من يلاحقون الفساد، بل إلى من يفكرون في ارتكابه: تذكروا أن المال العام ليس غنيمة، وأن الوطن لا ينسى، وأن العدالة، وإن تأخرت، فإنها حين تصل لا تطرق الباب بهدوء.

