نيويورك – يبتكر المصرفيون طرقًا جديدة لبيع كميات متزايدة من الديون مع استمرار تزايد اقتراض الشركات المرتبط بالذكاء الاصطناعي لتمويل استثماراتها وأعمالها.
وبينما تتسارع وتيرة هذا التحول في السوق منذ أشهر، يبقى التحدي الأهم هو تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وضمان الشفافية والاستقرار في النظام المالي العالمي.
وأدى الارتفاع الكبير في الإنفاق على الرقائق الإلكترونية والبنية التحتية السحابية ومراكز البيانات إلى دفع شركات التكنولوجيا الكبرى، المعروفة باسم “الشركات العملاقة”، إلى إصدار سندات بعملات أخرى غير الدولار الأميركي بشكل متزايد.
وكان الهدف من ذلك هو الوصول إلى شريحة أوسع من المستثمرين وتجنب تشبع السوق الأميركي بكميات هائلة من الديون. وأصدرت شركات مثل أمازون وألفابت سندات بقيمة 60 مليار دولار أميركي بعملات متعددة خلال الإثني عشر شهرًا الماضية.
وقال تيدي هودجسون، الرئيس المشارك العالمي لقسم ديون الشركات ذات التصنيف الاستثماري في بنك مورغان ستانلي الأميركي، لرويترز “وسّعت ألفابت وأمازون نطاق أعمالهما ليشمل أسواقًا عالمية أخرى في أوروبا وكندا وآسيا”.
وقد أعادت هذه الصفقات الضخمة تشكيل أسواق السندات العالمية، وسجّلت أرقامًا قياسية جديدة في مبيعات السندات باليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني.
ووفقًا لمجموعة بورصة لندن (أل.أس.إي.جي)، جمعت أمازون 16.56 مليار دولار في مارس الماضي، من خلال صفقة من ثماني مراحل، وهي الأكبر على الإطلاق في سوق سندات الشركات باليورو.
وحطّمت ألفابت الأرقام القياسية في مختلف الأسواق، حيث سجّلت صفقاتها بالين الياباني والدولار الكندي والفرنك السويسري والجنيه الإسترليني أرقامًا قياسية في الاقتراض بهذه العملات، وفقًا لبيانات مجموعة بورصة لندن.
وأصدرت المجموعة الأميركية العملاقة مالكة شركة غوغل أول سندات لأجل 100 عام من شركة تقنية منذ عام 1997.
وتؤكد هذه الصفقات حجم احتياجات التمويل التي تواجه شركات الحوسبة السحابية العملاقة، مما يشير إلى أن أدوات المؤسسات المالية الكبرى تعكس انتقالاً من التمويل الثابت إلى التمويل التكيفي الذي يتغير بتغير الظروف الاقتصادية.
ورصد المحللون ارتفاعا ملحوظا في مستويات اقتراض شركات وادي السيليكون العملاقة لتمويل استثماراتها الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تُقدَّر التزاماتها التمويلية المرتبطة بالبنية التحتية ومراكز البيانات بعشرات المليارات من الدولارات سنويا.
وتشير بيانات الأسواق إلى أن شركات مثل مايكروسوفت وألفابت وميتا وأمازون رفعت إصداراتها من السندات في السنوات الأخيرة، في إطار تمويل توسعات تتطلب إنفاقا رأسماليا قد يتجاوز 200 إلى 300 مليار دولار سنويا على مشاريع الذكاء الاصطناعي.
كما أظهرت تقديرات أن إجمالي الديون والأدوات التمويلية التي استخدمتها كبرى شركات التكنولوجيا مجتمعة تسارعت منذ 2023 مع طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي.
في المئة ديون الذكاء الاصطناعي من إجمالي إصدارات السندات ذات التصنيف الاستثماري هذا العام
ويعكس هذا الاتجاه تحوّلاً في نموذج التمويل، فقد باتت الشركات تعتمد بشكل متزايد على مزيج من التدفقات القوية والاقتراض طويل الأجل للتوسع في مراكز البيانات والرقائق، بينما تستمر قدرتها الائتمانية عند مستويات قوية بفضل الأرباح التشغيلية المرتفعة.
وشركات الرقائق والبنية التحتية المرتبطة مثل إنفيديا لا تعتمد على الدين بنفس الدرجة، لكنها تستفيد من دورة التمويل الضخمة عبر متعامليها من شركات السحابة المثقلة بالإنفاق.
وتشير تقديرات بنك بي.أن.بي باريبا الفرنسي إلى أن النفقات الرأسمالية لهذه الشركات هذا العام تبلغ حوالي 725 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف المستوى المتوقع في منتصف عام 2025.
وأوضح المحللون أن الإنفاق يرتفع بوتيرة أسرع من التدفقات النقدية التشغيلية، مما يستدعي اللجوء إلى مصادر تمويل خارجية.
وفي غضون ذلك يجرب المصرفيون أساليب جديدة لجمع التمويل لشركات الذكاء الاصطناعي الناشئة أو مشغلي مراكز البيانات.
ولذلك تعكف البنوك على هيكلة الصفقات بناءً على عقود إيجار مسبقة لمراكز البيانات، حيث يتم الاتفاق عليها أحيانًا قبل بدء الإنشاء، لتوفير رؤية أوضح للتدفقات النقدية المستقبلية.
وكان آخر مثال على ذلك إصدار سندات بقيمة 810 ملايين دولار من قبل شركة ستينغراي كومبيوت، المملوكة لشركة سايفر ديجيتال في وقت سابق من هذا الشهر.
وقال كودي غونش، رئيس قسم أسواق رأس المال للتمويل بالرافعة المالية في أميركا الشمالية لدى مورغان ستانلي، لرويترز إن “الاكتتاب في العرض تجاوز المعروض بتسعة أضعاف”.
طلب عمالقة التكنولوجيا على الإصدارات الجديدة بالدولار لا يزال مرتفعا، وقد يصل إلى حدوده القصوى بالعملات الأخرى
وكان القرض مدعومًا بعقد إيجار مركز البيانات لشركة أمازون. وأوضح غونش أن أولى الصفقات من هذا النوع، والتي استُلهمت هياكلها من قروض البناء، بدأت العام الماضي، وتم بيع حوالي 15 صفقة منها لمستثمرين ذوي عوائد عالية.
وتقول أمازون إنها تُقيّم خطتها التشغيلية بانتظام وتتخذ قرارات التمويل، مثل إصدار السندات بعملات مختلفة، وفقًا لذلك.
وأشارت ألفابت إلى بيان المديرة المالية أنات أشكنازي، التي ذكرت أن الشركة تراكمت عليها ديون مستحقة بقيمة 100 مليار دولار بست عملات رئيسية، وإلى تعليق الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي حول تمويل الاستثمارات من خلال التدفقات النقدية والديون وحقوق الملكية.
ومع ذلك، بدأ المستثمرون يتساءلون عما إذا كان السوق قادرًا على استيعاب العرض، وما إذا كان لديه تأثيرات قد تؤثر على سيولة البنوك أو تهدد النظام المالي، خاصة في ظل شكوك البعض في جدوى الاستثمار في هذه التقنيات المتقدمة.
وقال هودجسون إن “المصرفيين يعتقدون أن حجم ديون الذكاء الاصطناعي قد يكون ضخما إلى درجة أنه قد يدفع إصدارات السندات ذات التصنيف الاستثماري إلى ما يزيد عن تريليوني دولار لأول مرة في عام 2026”.
وقد تجاوزت صفقات السندات ذات التصنيف الاستثماري من شركات الحوسبة السحابية العملاقة بالفعل إجماليها المتوقع لعام 2025، وهي تسير على الطريق الصحيح للوصول إلى توقعات بنك بي.أن.بي باريبا البالغة حوالي 250 مليار دولار هذا العام.
وحتى الآن لا توجد مؤشرات على التشبع، رغم أن الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تقترب من 15 في المئة من إجمالي إصدارات السندات ذات التصنيف الاستثماري، وفقًا لبيانات بنك باركليز.
وقال سكوت شولت الرئيس المشارك لقسم سندات التصنيف الاستثماري في باركليز “رغم ارتفاع ديون الذكاء الاصطناعي إلى إجمالي الإصدارات، لا تزال منخفضة جدًا إذا قورنت بإجمالي الديون في مؤشرات التصنيف الاستثماري الأوسع نطاقًا”.

