لندن: محمد الطّورة
هناك فرق جوهري بين أن تخوض معركة من أجل حق، وبين أن تجعل من كل خلاف معركة.
تعودت في حياتي أن أخوض أكبر مواجهة مع أي جهة رسمية أو مؤسسة عندما أكون على قناعة راسخة بأنني صاحب حق. لا أتردد في الدفاع عن موقفي وحقوقي مهما كانت قوة الطرف الآخر، لأن الحقوق لا تُقاس بحجم النفوذ، بل بعدالة القضية. وعندما يتعلق الأمر بالمؤسسات، فإن القضية لا تكون شخصية، بل ترتبط بمبدأ أو قرار أو حق عام يستحق الدفاع عنه.
وفي المقابل، أمتلك من الجرأة ما يجعلني قادراً على الانسحاب من أي معركة مع الأفراد، حتى عندما أكون مقتنعاً بأن الحق إلى جانبي. فالانسحاب هنا ليس ضعفاً ولا تنازلاً عن المبادئ، بل إدراكاً بأن بعض الانتصارات لا تستحق ما تتركه من خصومات واستنزاف للعلاقات والوقت والطاقة.
قد يبدو الأمر متناقضاً للبعض، لكنه في الحقيقة يعكس فهماً مختلفاً لطبيعة الصراعات. فالمؤسسات تُدار في النهاية من قبل أشخاص، ولكل شخص قناعاته ومصالحه وأحياناً أجنداته الخاصة، ولذلك فإن مواجهة القرار الخاطئ داخل مؤسسة قد تكون دفاعاً عن حق يتجاوز الأشخاص أنفسهم. أما الخلافات الشخصية، فغالباً ما يكون التسامح فيها أكثر حكمة من الانتصار.
لذلك لا أقيس قوتي بعدد المعارك التي أخوضها، بل بقدرتي على التمييز بين المعركة التي تستحق أن أقاتل من أجلها، والمعركة التي يكون الانسحاب منها انتصاراً أكبر من الاستمرار فيها.

