لندن: محمد الطّورة
بين وهم النصر وحقيقة الخسارة الإنسانية
هل ثمّة ما يمكن أن يبرّر هذا الفيض من الخراب، وهذا النزيف المفتوح من الأرواح، وهذا التآكل البطيء لاقتصاداتٍ كانت بالكاد تحتمل أعباء الحياة؟ أيُّ معنى يمكن أن يُستخلص من مشاهد الدمار وهي تتكرر حتى تفقد صدمتها الأولى، وأيُّ “نصر” هذا الذي يُشاد فوق أنقاض المدن وعلى حساب إنسانٍ يُدفع قسراً إلى الهامش؟ أليست الأرواح، في جوهرها، أغلى من أن تُختزل إلى أرقام في بيانات عسكرية، وأسمى من أن تُقايض بحسابات القوة وتوازنات النفوذ؟
في قلب المعركة الجارية في المنطقة، حيث يتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، لم تعد حدود الصراع محصورة في خطوط المواجهة التقليدية، بل أخذت تمتد لتطال فضاءات أوسع، مع انخراط مباشر أو غير مباشر لدول مجاورة، من بينها الأردن وبعض دول الخليج، سواء عبر تداعيات أمنية متسارعة أو عبر حسابات سياسية تفرض نفسها في مشهد إقليمي شديد التعقيد. في هذا السياق، لا يبدو السؤال ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية ملحّة، محاولة لانتشال المعنى من بين ركام واقع يتسع نطاقه وتتعمق كلفته.
تبدأ الحروب عادةً بلغةٍ عالية النبرة، حيث تتصدر مفاهيم النصر والكرامة والحق المشهد، وكأنها حقائق مؤكدة لا تقبل الجدل. غير أن الواقع سرعان ما يكشف وجهاً مختلفاً، وجهاً يثقل كاهله الدمار وتغمره المعاناة الإنسانية. وفي ظل التصعيد القائم، تتكرر ذات السرديات بينما تتفاقم الكلفة على الأرض، ليبقى الإنسان العادي هو الخاسر الأكبر في معادلة لا يملك التأثير في مسارها.
في خضم هذا المشهد، تبدو “سردية النصر” أقرب إلى محاولة لتبرير الألم وإضفاء معنى على خسارات يصعب استيعابها، أكثر من كونها وصفاً دقيقاً لما جرى فعلاً. فحين يُعاد النظر في نتائج الحروب بعيداً عن الخطابات الرسمية، يتضح أن الكلفة لا تُقاس فقط بما تحقق من مكاسب سياسية أو عسكرية، بل بما فُقد من أرواح، وما تضرر من مجتمعات، وما تلاشى من فرص لحياة طبيعية. وهنا يغدو الحديث عن النصر إشكالياً، لأن ما يُحتفى به في العلن قد يخفي وراءه واقعاً من الخسارة الممتدة التي لا تظهر في البيانات ولا تُختزل في الأرقام.
وفي موازاة ذلك، تستمر المفاوضات بعيداً عن الأنظار، داخل دوائر مغلقة تُدار فيها الحوارات بحسابات دقيقة ومعقدة. قد يكون لهذا الأسلوب ما يبرره من ناحية دبلوماسية، إذ يسمح بمرونة أكبر وتجنب الضغوط المباشرة، لكنه في الوقت نفسه يعمّق المسافة بين صناع القرار والناس الذين تمسهم نتائج تلك القرارات بشكل مباشر. ومع تكرار هذا المشهد، يتعزز شعور عام بأن المصير يُصاغ في غياب من سيتحمل تبعاته، خاصة في ظل نزاع واسع التأثير تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية.
المسألة لا تتعلق فقط بوجود الحروب أو غيابها، بل بطريقة إدارتها وبالقيم التي تحكم مسارها. فعندما تُختزل الصراعات في حسابات القوة والنفوذ، يتراجع الاعتبار الإنساني إلى مرتبة ثانوية، ويصبح المدنيون في موقع الهامش، رغم أنهم الأكثر تأثراً. وفي النزاع الحالي، كما في غيره، يدفع المدنيون الثمن الأكبر، بينما تستمر الخطابات في تأكيد حتمية المواجهة أو ضروريتها.
تُظهر التجارب أن نهاية الحروب لا تأتي دائماً نتيجة حسم واضح، بل كثيراً ما تكون ثمرة إدراك متبادل بأن الاستمرار لم يعد مجدياً. عند تلك اللحظة، يفرض الواقع منطقه، وتتقدم الحاجة إلى إنهاء المعاناة على الرغبة في تسجيل انتصار كامل. ومع ذلك، تظل السرديات قائمة، تُعاد صياغتها وتكرارها، في محاولة لإضفاء معنى على ما حدث وتبرير ما لا يمكن تبريره بالكامل.
في المحصلة، يتجاوز السؤال حدود من ربح ومن خسر، ليصل إلى ما هو أعمق: ماذا بقي بعد كل ذلك؟ وهل يمكن اعتبار ما حدث انتصاراً إذا كان الثمن هو إنسان فقد أمنه واستقراره وربما مستقبله؟ لعل الإجابة لا تكمن في الشعارات، بل في قدرة البشر على استعادة حياتهم رغم كل ما تعرضوا له، وفي إدراك أن القيمة الحقيقية ليست في الغلبة، بل في صون الإنسان، مهما تعقدت الصراعات وتشابكت المصالح.

