لندن: محمد الطّورة
“أنت تسأل ولا تُسأل ولكن هكذا أقتضى الحال “
هكذا تُثبت الأيام أن السلطة ليست درعًا أبديًا، وأن الموقع الذي يعلو بصاحبه اليوم قد يكون ذاته الذي يقف فيه غدًا للمساءلة. فكم من مسؤول ظنّ أن السؤال امتياز، وأن المحاسبة قدرٌ كُتب على غيره، حتى دارت عجلة الزمن ووضعته في الموضع نفسه الذي طالما وقف فيه الآخرون أمامه.
يبدو التاريخ، في كثير من الأحيان، كتابًا مفتوحًا لا يكلّ من تكرار نفسه، لا لأنه يفرض ذلك، بل لأن بعض البشر يصرّون على تجاهل دروسه. ومن أكثر المشاهد إيلامًا في هذا السياق، تكرار سقوط مسؤولين جدد في المستنقع ذاته الذي ابتلع من سبقهم: مستنقع الفساد، والعبث بأموال الدولة، وظلم الناس، ثم النهاية الحتمية خلف القضبان.
لقد شهدت المجتمعات، على مرّ العقود، نماذج عديدة لمسؤولين امتدت أيديهم إلى المال العام، مستغلين مناصبهم ونفوذهم، غير آبهين بالقانون ولا بثقة الناس. ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة تكمن في أن من جاء بعدهم لم يتّعظ، وكأن السجون التي امتلأت بالأمس لا تحمل رسالة، وكأن العدالة التي طالت السابقين مجرد حكاية عابرة.
إن تجاهل دروس الماضي لا ينشأ من الجهل وحده، بل غالبًا من وهم الإفلات من العقاب. يظن البعض أن الظروف تغيّرت، أو أن الحماية أقوى، أو أن الذكاء الشخصي كفيل بتغطية التجاوزات. غير أن الواقع يثبت، مرة بعد أخرى، أن المال العام لا يُنسى، وأن أنين المظلومين لا يضيع، وأن الزمن، مهما طال، لا يحمي الفساد.
الأخطر من الفساد المالي ذاته هو ما يخلّفه من خراب أخلاقي واجتماعي. فعندما يرى المواطن أن المسؤول لم يتعلم من مصير من سبقه، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويترسخ الشعور بالظلم، ويضعف الانتماء. وحين يصبح المنصب وسيلة للإثراء لا للخدمة، تتحول الدولة من كيان راعٍ إلى عبء ثقيل على كاهل شعبه.
إن المسؤول الحقيقي هو من ينظر إلى من سبقوه في السقوط لا بشماتة، بل بعبرة. من يدرك أن المنصب زائل، وأن السلطة مؤقتة، وأن ما يبقى هو السيرة والعدل. فالتاريخ لا يرحم، والعدالة قد تتأخر لكنها لا تموت، والسجون شاهدة على أن تجاهل الدروس ثمنه باهظ.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: متى يتعلم بعض المسؤولين أن الطريق الذي سار فيه غيرهم وانتهى خلف القضبان، لا يمكن أن يقود إلى نهاية مختلفة؟

