لندن: محمد الطّورة
“العقول لا تهاجر لأن الأوطان فقيرة، بل لأنها لا تجد البيئة التي تسمح لها أن تبدع وتنجح.”
في زمن أصبحت فيه المعرفة والابتكار أساس قوة الدول وتقدمها، لم تعد الثروة الحقيقية تقاس بما تملكه الدول من موارد طبيعية فقط، بل بما تمتلكه من عقول بشرية قادرة على التفكير والإبداع وصناعة المستقبل. غير أن المفارقة المؤلمة التي تعاني منها العديد من الدول اليوم تتمثل في استمرار نزيف العقول والكفاءات الوطنية إلى الخارج، حيث يجد كثير من المبدعين والباحثين وأصحاب الخبرات فرصاً أفضل وبيئة أكثر دعماً لطاقاتهم. هناك فقط تتفتح قدراتهم وتتحول أفكارهم إلى إنجازات، فتربحهم الدول التي استقبلتهم، بينما تخسرهم أوطانهم التي كانت أولى بثمار إبداعهم.
إن هجرة العقول والخبرات الوطنية ليست مجرد انتقال أفراد من بلد إلى آخر، بل هي خسارة حقيقية لرأس المال البشري والمعرفي الذي يعد الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي. فكم من العقول اللامعة غادرت أوطانها بحثاً عن بيئة أكثر دعماً وحرية، لتجد في الخارج ما لم تجده في الداخل من فرص وإمكانات. وما إن تتوفر لهذه العقول الظروف المناسبة حتى تبدأ بالإبداع والابتكار وتقديم إسهامات علمية وفكرية تسهم في تطوير المجتمعات التي احتضنتها، بينما تبقى بلدانها الأصلية تتساءل لماذا نجح أبناؤها في الخارج ولم يتمكنوا من تحقيق النجاح ذاته في أوطانهم.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على العلماء والباحثين في المجالات العلمية والتكنولوجية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى أصحاب الفكر والقلم في مجالات الإعلام والصحافة والنشر. فقد اضطر الكثير من الإعلاميين والصحفيين وناشري الصحف والمواقع الإخبارية إلى مغادرة بلدانهم والعمل أو الاستثمار في الخارج، بحثاً عن بيئة إعلامية تسمح لهم بممارسة مهنتهم بحرية ومسؤولية، بعيداً عن القيود أو التعقيدات غير المبررة التي قد تعيق العمل الإعلامي أو تحد من دوره في نقل الحقيقة وصناعة الوعي.
فالعمل الإعلامي بطبيعته يحتاج إلى بيئة تحترم حرية التعبير وتوفر قوانين واضحة تنظم المهنة دون أن تقيدها، كما يحتاج إلى مناخ يسمح بالاستثمار والتطوير والتنافس المهني. وعندما تغيب هذه العناصر، يصبح من الطبيعي أن يبحث الإعلامي أو الصحفي أو المستثمر في مجال النشر عن فضاء آخر يستطيع من خلاله ممارسة مهنته وتطوير أدواته المهنية دون عوائق.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بوضوح: من المسؤول عن هجرة هذه العقول؟
هل هي السياسات والبيئات المهنية التي لا توفر الحوافز والدعم الكافي؟ أم غياب التخطيط الاستراتيجي للاستفادة من الكفاءات الوطنية؟ أم أن الانفتاح العالمي وسهولة انتقال الخبرات جعلا هجرة الكفاءات ظاهرة طبيعية لا يمكن تجنبها؟
وحتى لا يضيع هذا السؤال بين الناس، ولا تتوه الإجابة في زحمة التبريرات، ولا يظن كل طرف أن الأمر لا يعنيه، فإنني أوجه هذا السؤال بشكل مباشر إلى أصحاب القرار في الوطن. فهذه القضية تستحق وقفة جادة وبحثاً حقيقياً لمعرفة أسبابها ووضع حلول عملية لها، خاصة وأن معالجة هذه المشكلة ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة الصادقة لمواجهتها.
ففي كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في الإمكانات أو الموارد، بل في العامل البشري ذاته. ولعل الحديث بصراحة بعيداً عن اللغة الدبلوماسية يكشف جانباً مهماً من الحقيقة، حيث تلعب أحياناً مشاعر الحسد والغيرة وتصفية الحسابات الشخصية دوراً في إقصاء بعض الكفاءات وإبعادها عن مواقع التأثير، أو التضييق عليها لإفساح المجال لآخرين ليكونوا في الواجهة على حساب أصحاب الخبرة والقدرة.
الحقيقة أن المسؤولية غالباً ما تكون مشتركة بين عدة عوامل، لكن التجارب العالمية تثبت أن الدول التي نجحت في الاحتفاظ بعقولها وكفاءاتها هي تلك التي وفرت بيئة محفزة على الإبداع، وقدمت الدعم للمبدعين، واعتبرت الكفاءات الوطنية ثروة استراتيجية لا تقل أهمية عن الثروات الاقتصادية أو الموارد الطبيعية.
وفي المقابل، فإن الدول التي تخسر عقولها تجد نفسها بعد سنوات مضطرة لاستيراد الخبرات من الخارج، بينما كان بإمكانها الاحتفاظ بكفاءاتها الوطنية لو وفرت لها البيئة المناسبة للعمل والإبداع.
إن هجرة العقول ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة لظروف يمكن تغييرها إذا توفرت الإرادة الحقيقية لبناء بيئة تحترم الكفاءة وتقدر الإبداع. فالعقول لا تهاجر بحثاً عن الرفاه فقط، بل بحثاً عن التقدير والحرية وفرص العمل التي تسمح لها بتحويل أفكارها إلى إنجازات.
وعندما تدرك الدول أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن الكفاءات الوطنية هي أثمن ثروة تملكها، عندها فقط يمكن إيقاف هذا النزيف المستمر. فالأوطان القوية لا تبنى بالموارد وحدها، بل بالعقول التي تفكر وتبدع وتصنع المستقبل.

