لندن: محمد الطّورة
حين تعمى البصيرة أمام بريق المال، وتغيب القيم خلف قرارات تُكتب بها نهاية مؤلمة
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال ليس مجرد خبر عابر، بل تكرار مشهد مؤلم بات يتردد صداه في مختلف أنحاء العالم؛ مشهد أناسٍ بلغوا ذروة المجد، وامتلكوا المال والنفوذ، ثم ما لبثوا أن هووا إلى القاع، فاقدين كل ما بنوه عبر سنوات من السعي والتعب. لم يكن سقوطهم وليد صدفة عابرة، ولا نتيجة ظرف قاهر، بل كان ثمرة مباشرة للطمع والجشع حين يستبدّان بالنفس ويغلبان صوت الحكمة والضمير.
لقد أصبحت هذه الحكايات تتكرر بصورة تثير القلق، حتى كأنها قانون غير مكتوب: كلما غاب الاتزان الأخلاقي، تسارع الانهيار مهما علت القمة. ومن هنا تولّدت لديّ رغبة عميقة في التأمل في هذه الظاهرة، ومحاولة تفكيك أسبابها، لعل في هذا الطرح تذكرة توقظ الغافل، أو وقفة صادقة تعيد التوازن لمن بدأ ينجرف في طريق لا عودة منه إلا بثمنٍ باهظ.
في رحلة الحياة، يسعى الإنسان جاهدًا للوصول إلى القمة؛ يجتهد، يضحي، ويصبر حتى يحقق النجاح الذي طالما حلم به. لكن ما يؤلم حقًا ليس صعوبة الوصول، بل سهولة السقوط بعد الوصول. فكم من أشخاص بلغوا أعلى المراتب، وكانوا قدوة في أعين الآخرين، ثم انهار كل شيء في لحظة واحدة بسبب الطمع.
إن الطمع ليس مجرد رغبة في المزيد، بل هو حالة من العمى الداخلي، تدفع الإنسان إلى تجاوز حدوده، وتجعله ينسى القيم التي أوصلته إلى القمة. يبدأ الأمر بخطوة صغيرة: قرار غير أخلاقي، استغلال بسيط للسلطة، أو تجاهل لمبدأ كان يومًا خطًا أحمر. ثم تتوالى التنازلات، حتى يجد الإنسان نفسه وقد فقد كل شيء… سمعته، مكانته، واحترامه لنفسه قبل الآخرين.
إلى إخوتي في الإنسانية، ممن أنعم الله عليهم بالمال أو المناصب العليا: تذكروا أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تملكون، بل بما تتركون من أثر طيب. المناصب زائلة، والأموال قد تذهب، لكن القيم والمبادئ هي ما يبقى.
لا تجعلوا الطمع يدمّر ما بنيتموه سنوات طويلة في لحظة ضعف. لا تسمحوا لرغبة عابرة أن تمحو تاريخًا من الجهد والتعب. كونوا قدوة في النزاهة، وميزانًا للعدل، وصوتًا للحق، لا وسيلة لتحقيق المصالح على حساب الآخرين.
إن القمة ليست مكانًا دائمًا، بل اختبار مستمر. فإما أن تثبتوا جدارتكم بالبقاء فيها بأخلاقكم، أو تخسروا كل شيء عندما تتخلون عنها.
وفي النهاية، تذكروا دائمًا: من يربح الدنيا بخسارة ضميره، فهو في الحقيقة لم يربح شيئًا.

