لندن: محمد الطّورة
في الدول الحديثة، لم يعد الحديث عن المناصب القيادية مجرد شأن إداري داخلي، بل أصبح مرآة تعكس مدى التزام الدولة بمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص. فطريقة اختيار القيادات، وتوزيع المسؤوليات، تكشف بوضوح ما إذا كانت المؤسسات تُدار بعقلية منفتحة قائمة على الجدارة، أم ضمن دوائر ضيقة تتحكم فيها العلاقات والاعتبارات غير الموضوعية. ومن هنا تبرز أهمية التوقف عند بعض الظواهر التي قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها دلالات عميقة تستحق النقاش والتحليل.
وإذا كان هذا المعيار يُستخدم لتقييم أداء الدول الحديثة، فإن المقارنة مع الأنظمة الملكية نفسها تفتح باباً مهماً للفهم؛ إذ حتى في تلك الأنظمة، التي تقوم في جوهرها على الوراثة، نادراً ما نجد توزيعاً واسعاً للمناصب التنفيذية الحساسة بين أفراد الأسرة الحاكمة بشكل مباشر ومكثف. فهناك، رغم الطابع العائلي، حرص على قدر من التوازن، وعلى إسناد إدارة الشأن العام إلى مؤسسات أو شخصيات ذات كفاءة، تجنباً لتضارب المصالح وحفاظاً على استقرار الدولة.
أما أن نرى في دولة يفترض أنها تقوم على مبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص، صعود عدد من أفراد عائلة واحدة—ليست حاكمة—إلى مواقع قيادية مؤثرة في مفاصل الدولة، فذلك أمر يثير الاستغراب، بل ويستدعي القلق. لأن هذا النمط لا يعكس مجرد نجاح فردي أو تميز مهني، بل يوحي بوجود خلل أعمق في بنية النظام الإداري والسياسي.
أول هذه الاعتبارات هو مبدأ العدالة. فالدولة الحديثة تقوم على فكرة أن الفرص يجب أن تكون متاحة للجميع وفق معايير واضحة وشفافة، أهمها الكفاءة والنزاهة. وعندما تتكرر أسماء بعينها في مناصب عليا داخل دوائر السلطة، فإن ذلك يبعث برسالة سلبية مفادها أن الطريق إلى المناصب لا يمر عبر الجدارة، بل عبر العلاقات والولاءات.
ثانيها، خطر تضارب المصالح. وجود عدة أفراد من عائلة واحدة في مواقع صنع القرار قد يؤدي إلى تشابك المصالح الخاصة مع العامة، حتى وإن لم يكن ذلك مقصوداً. فالعلاقات العائلية بطبيعتها تحمل قدراً من التحيز، ما قد يؤثر على موضوعية القرارات، ويقوّض ثقة المواطنين في حيادية الدولة.
ثالثاً، تآكل الثقة العامة. المواطن حين يرى أن المناصب القيادية تتكرر داخل دائرة ضيقة، يشعر بالإقصاء، ويتولد لديه انطباع بأن الدولة لا تمثله، بل تمثل شبكة مغلقة من المصالح. وهذا الشعور، إن تُرك دون معالجة، قد يؤدي إلى ضعف الانتماء، وتراجع المشاركة، بل وحتى الاحتقان الاجتماعي.
رابعاً، إضعاف المؤسسات. حين تُبنى مواقع القيادة على أسس غير تنافسية، تفقد المؤسسات قدرتها على التطور والابتكار. إذ إن التنوع في الخلفيات والخبرات هو ما يمنح المؤسسات قوتها ومرونتها. أما احتكار المواقع، فيؤدي إلى الجمود وإعادة إنتاج نفس الأنماط والأخطاء.
قد يُقال إن أفراد هذه العائلة يتمتعون بالكفاءة والخبرة، وربما يكون ذلك صحيحاً. لكن الكفاءة، على أهميتها، لا يمكن أن تكون مبرراً كافياً لاحتكار المواقع القيادية أو تكرار الأسماء نفسها داخل دوائر القرار. فإتاحة الفرصة لعدد محدود من الأفراد—مهما بلغت كفاءتهم—تعني بالضرورة إقصاء آخرين قد يكونون على درجة مماثلة أو حتى أعلى من الكفاءة، وهو ما يتعارض مع جوهر العدالة.
إن المسألة لا تتعلق بأشخاص بعينهم، بل بمبدأ يجب أن يكون فوق الجميع: الدولة ليست إرثاً عائلياً، ولا شبكة مغلقة، بل هي كيان عام يقوم على خدمة المجتمع بأكمله. وأي انحراف عن هذا المبدأ، حتى لو جاء تحت شعار الكفاءة، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول العدالة والشفافية.
في النهاية، قوة الدول لا تُقاس فقط بهياكلها السياسية، بل بمدى التزامها الفعلي بمبدأ تكافؤ الفرص. وعندما يصبح الوصول إلى المناصب العليا متاحاً للجميع وفق معايير واضحة، عندها فقط يمكن الحديث عن دولة حديثة تستحق ثقة مواطنيها.

