المحلل السياسي مصطفى النعيمي:
تفجير المسجد يندرج ضمن تحركات تقف خلفها تنظيمات مسلحة، في مقدمتها تنظيم “داعش”، إلى جانب أطراف أخرى.
هذه الجهات تمثل أدوات تُستخدم لإرباك المشهد الأمني ومنع استقرار الساحة السورية.
تدخل الساحة السورية مرحلة جديدة من الاضطراب الأمني، مع عودة مشاهد التفجيرات الدموية إلى الواجهة، في وقت تحاول البلاد لملمة جراح سنوات طويلة من الصراع.
فبينما تواصل الحكومة السورية السعي إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، جاء التفجير الذي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب في مدينة حمص ليعيد فتح ملف الهشاشة الأمنية، ويطرح تساؤلات عميقة حول الجهات القادرة على خرق المشهد الهش وإعادة إنتاج العنف بأشكال أكثر تعقيداً.
الهجوم الذي وقع داخل أحد أحياء مدينة حمص المكتظة أثناء صلاة الجمعة 26 ديسمبر الجاري، أسفر ـ وفق أحدث إحصائية لوزارة الصحة ـ عن سقوط 8 قتلى و18 جريحاً، ما مثّل صدمة جديدة للرأي العام السوري.
وبحسب وزارة الداخلية، نُفّذ التفجير بواسطة عبوات ناسفة زُرعت داخل المسجد، ما يشير إلى تخطيط مسبق واختراق أمني بالغ الخطورة.
في موازاة ذلك، تبنّت جماعة “سرايا أنصار السنة” العملية، في بيان حمل لغة طائفية حادة، واعتبر الهجوم “رسالة” تستهدف ما وصفته بـ”الطائفة العلوية”، في تصعيد ينذر بأحداث أكثر سخونة قد تشهدها سوريا.
من هم “أنصار السنة”؟
برز اسم “سرايا أنصار السنة” في يناير 2025 بصفتها جماعة مسلحة جديدة في المشهد السوري.
تبنّت خطاباً متشدداً يستهدف بشكل مباشر أبناء الطائفة العلوية والشيعة والديانة المسيحية.
أعلنت مسؤوليتها عن عدد من عمليات القتل والهجمات المسلحة، وهددت ما تسميهم “فلول النظام”، في إشارة إلى شخصيات مرتبطة بنظام الأسد.
تتبنى خطاباً قريباً من نهج تنظيم “داعش” دون وجود دلائل قاطعة على ارتباط تنظيمي مباشر بين الطرفين.
انتقدت بحدة الحكومة السورية الجديدة، معتبرة أن سياسة العفو التي انتهجتها تمثل “تساهلاً غير مقبول” مع رموز النظام السابق.
أبدت موقفاً عدائياً واضحاً تجاه غير المسلمين، واستهدفت كنيسة مار إلياس في يونيو الماضي.
تحديات كبيرة
التفجير الذي استهدف مسجد علي بن أبي طالب، يأتي ليعمّق جرحاً اقتربت الحكومة السورية بقيادة الشرع كثيراً من علاجه.
ومن جانب آخر، يأتي هذا التطور في وقت تشهد الساحة السورية حراكاً أمنياً معقداً، وهي تواجه جبهات متعددة داخلية وخارجية، لا سيما أنها أعلنت قبل أيام تفكيك خلية تابعة لتنظيم “داعش” في مدينة حلب.
هذا التزامن عزّز المخاوف من عودة التنظيمات المتطرفة لاستثمار حالة التوتر الإقليمي لإعادة ترتيب صفوفها.
وفي موازاة ذلك، كشفت تقارير غربية، من بينها تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز”، عن تحركات مقلقة يقودها ضباط سابقون في النظام السوري، على رأسهم سهيل الحسن، لإعادة تشكيل بنية عسكرية موازية تعتمد على شبكات قديمة من المقاتلين الموالين للنظام السابق.
ووفق التحقيق الذي نُشر الأربعاء (24 ديسمبر الجاري)، فإن هذه التحركات تتم بدعم مالي من شخصيات نافذة، أبرزها رامي مخلوف، في محاولة لتشكيل ما يشبه “جيش ظل” قادر على استغلال أي فراغ أمني أو سياسي في البلاد.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الساحة السورية باتت أمام مشهد شديد التعقيد، تتقاطع فيه تهديدات التنظيمات المتطرفة مع محاولات إعادة إنتاج مراكز نفوذ قديمة.
كل ذلك يحدث فيما تحاول الحكومة الانتقالية المضي في مسار إعادة الاستقرار، واحتواء التحديات الأمنية المتعددة، من فلول التنظيمات المسلحة إلى الانقسامات المجتمعية العميقة.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو سوريا أمام اختبار بالغ الصعوبة: فإما أن تنجح في تحصين جبهتها الداخلية ومنع عودة دوامات العنف، أو أن تجد نفسها أمام موجة جديدة من الفوضى تُقوّض ما تحقق من استقرار نسبي، وتعيد البلاد إلى دوامة الصراع التي لم تبرحها تماماً منذ أكثر من عقد.
أدوات لإرباك المشهد الأمني
ويرى المحلل السياسي مصطفى النعيمي أن تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب يندرج ضمن تحركات تقف خلفها تنظيمات مسلحة، في مقدمتها تنظيم “داعش”، إلى جانب أطراف أخرى تتحرك ضمن مسار واحد رغم اختلاف مسمياتها.
وفي حديثه لـ”الخليج أونلاين”، يؤكد النعيمي أن هذه الجهات تمثل، بحسب توصيفه، أدوات تُستخدم لإرباك المشهد الأمني ومنع استقرار الساحة السورية.
ويشير إلى أن ما يجري يعكس ما يسميه “سياسة التخادم”، حيث تتقاطع مصالح جماعات متباينة في الأهداف الظاهرة، لكنها تلتقي عملياً عند هدف واحد، هو إبقاء حالة الفوضى قائمة.
ويرى أن هذه الجماعات تتحرك ضمن منظومة غير متجانسة، إلا أنها تُوظَّف في توقيتات محددة لإفشال أي مسار نحو التهدئة أو الحل السياسي.
ويضيف أن مواجهة هذا الواقع تتطلب مقاربة أمنية واضحة تقوم على تفكيك ما يصفه بـ”البنادق المأجورة”، وتجفيف مصادر دعمها، حتى وإن استدعى ذلك إجراءات حازمة، باعتبار أن فرض الاستقرار بات ضرورة لحماية المجتمع ومنع تكرار مثل هذه الهجمات.
وفي ما يتعلق بالخلفية الإقليمية للهجوم، فعلى الرغم من تبنّي “أنصار السنة” للهجوم، يذهب النعيمي إلى أن إيران تقف، بشكل مباشر أو غير مباشر، خلف جزء من هذه التحركات “أياً كانت مسمى تلك البندقية”.
ويلفت إلى أن إيران ما تزال تتعامل مع الساحة السورية بوصفها ورقة نفوذ قابلة للاستخدام، وتسعى عبر أدوات محلية أو جماعات مسلحة إلى إبقاء المشهد مضطرباً، بما يخدم حساباتها الإقليمية ويحول دون استقرار طويل الأمد.
ويختم النعيمي بالقول إن “إيران خسرت هذه الكَرَّة، وأمامها كَرّات كمنطلق لها للتعاطي مع الساحة السورية، وبالتالي من الممكن استخدام واستثمار البنادق المتحركة في الساحة السورية ضد الاستقرار”.
الخليج ونلين

