ليس جديدًا على لبنان أن يكون ساحةً مفتوحةً للوجع، لكن الجديد دائمًا هو حجم الصمت الذي يرافق هذا الألم. في كل مرة تُقصف فيها القرى، وتُهدم البيوت، وتُسرق الطمأنينة من عيون الأطفال، يقف العالم عند حدّ المشاهدة… كأن ما يحدث قدرٌ لا يُمكن ردّه، أو مشهدٌ عابر لا يستحق سوى بيانات باهتة، لا ترتقي إلى حجم الألم الذي يعيشه الناس كل يوم.
كنت في بيروت قبل العدوان الإسرائيلي بقليل، وأستطيع القول إن حالة ترقّب كانت تملأ الطرقات، تتغلغل في وجوه الناس قبل أصوات السيارات.
الحذر لم يكن مجرد شعور عابر، بل كان جزءًا من الهواء، يتنفسه الجميع بلا وعي كامل. كان اللبنانيون يحسّون بأن شيئًا ما سيحدث، وأن الأيام المقبلة لن تكون كسابقاتها. هذه الحالة من الترقب، التي امتدت من الشمال إلى الجنوب، من الضاحية إلى وسط المدينة، لم تكن خوفًا فقط… بل شعورًا غامضًا بالخطر القادم، وبحاجة لا ترفّ إلى الأمل الصادق.
في أزقة بيروت القديمة، حيث تصطف المباني التي تحمل ندوب الحروب السابقة، كان الناس يسيرون بحذر، وكأن كل خطوة تحمل معها احتمالًا جديدًا للدمار. المحال التجارية أغلقت أبوابها مبكرًا، والأطفال كانوا يغادرون الشوارع بعد المدرسة أسرع من المعتاد، والوجوه كانت شاحبة، تحمل سطرًا من القلق في كل ابتسامة تكاد تخفيها.
في الجنوب، حيث الأرض أقرب إلى النار من الحياة، لا تُقاس الخسائر بالأرقام فقط، بل بالقلوب التي تعبت من الانتظار، وبالبيوت التي لم تعد تعرف معنى الأمان. هناك، لا يعيش الناس يومهم… بل ينجون منه، في محاولةٍ مستمرة لتأجيل الخسارة. كل انفجار، كل قصف، يترك وراءه فراغًا لا يُملأ إلا بالصبر المستمر، وبذاكرة تتشبث بالحياة رغم كل شيء.
العدوان الإسرائيلي لا يكتفي بإصابة الجغرافيا، بل يعيد تشكيلها على مقاس الخوف. يترك خلفه ندوبًا لا تُرى على الخرائط، لكنها تسكن الذاكرة الجمعية لشعبٍ اعتاد أن يرمم نفسه كل مرة، دون أن يُمنح فرصة حقيقية للشفاء. الطرقات المدمرة، المدارس التي أُغلقت، المستشفيات التي تعمل على طاقة شبه محدودة… كل هذا يعكس صورة وطن يكافح من أجل البقاء، بينما العالم الخارجي يراقب بصمت مطبق.
وفي خضم هذا المشهد الثقيل، يبرز سؤال الدور العربي… لا بوصفه ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية. فالعالم العربي الذي لطالما شكّل عمقًا استراتيجيًا وإنسانيًا للبنان، يبدو اليوم أقرب إلى موقع المتفرّج منه إلى موقع الفاعل. بيانات الشجب لم تعد كافية، ولا المواقف الرمادية قادرة على ملامسة وجع الناس. المطلوب ليس خطابًا أعلى، بل فعلٌ أصدق… يعيد الاعتبار لفكرة التضامن، ويُترجمها إلى مواقف سياسية واضحة، ودعمٍ حقيقي يُسند الإنسان قبل الجغرافيا. فلبنان، وهو ينزف، لا يحتاج فقط إلى من يواسيه… بل إلى من يقف إلى جانبه، بوضوحٍ لا يحتمل التأويل.
أما العالم… فيواصل صمته الثقيل. صمتٌ لا يُفسَّر بالعجز، بل يُدان بالاختيار. إذ كيف يمكن لكل هذا الدمار أن يمرّ دون مساءلة حقيقية؟ وكيف تتحول حياة الناس إلى تفصيلٍ هامشي في معادلات السياسة الكبرى؟ الصمت الدولي يرسل رسالة مزدوجة: أن العدوان مسموح به، وأن دم الشعب اللبناني ليس أولوية.
لبنان اليوم ليس مجرد ساحة صراع… بل اختبار أخلاقي مفتوح. اختبارٌ يسقط فيه كثيرون، حين يختارون الحياد في وجه الألم، أو التبرير في وجه العدوان. وفي هذا الاختبار، يقف اللبنانيون أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة العدو الخارجي، ومواجهة صمت من كانوا يُفترض أن يكونوا سندًا حقيقيًا لهم.. صمت العرب والعالم أجمع.

