لندن: محمد الطّورة
الإنجاز ليس أمرًا يُصدر… بل عملٌ يُنجز
على امتداد أكثر من أربعة عقود عشتها خارج أرض الوطن، كان معظمها في دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، تابعتُ عن كثب كيف تُروى قصص الإنجاز هناك، وكيف يُصاغ الخطاب الإعلامي المحيط بها. ولم يلفت نظري حجم الإنجازات بقدر ما لفتني أسلوب نسبتها؛ إذ لم أجد يومًا وسيلة إعلامية، رسمية كانت أو خاصة، تُرجع نجاحًا إلى “أمر” صادر من شخص بعينه، أو تُفصّله على مقاس اسمٍ محدد. بل كانت الإنجازات – إن ذُكرت، ونادرًا ما تُضخَّم – تُنسب إلى مؤسسات الدولة، وإلى منظومتها القانونية والإدارية، بوصفها كيانًا متكاملًا يعمل بتناسق، لا أفرادًا متفرقين يُختزل فيهم المشهد.
هذه التجربة لم تكن مجرد ملاحظة عابرة، بل شكلت لديّ معيارًا لفهم معنى العمل المؤسسي، وقيمة الاعتراف بالجهد الجماعي. ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع أن نتساءل: لماذا يختلف الخطاب لدينا؟ ولماذا يُعاد تشكيل الإنجاز في كثير من الأحيان ليظهر وكأنه ثمرة جهد فردي، لا نتاج منظومة كاملة؟
في بلادنا العربية تطالعنا الصحف وشاشات التلفاز يوميًا بسيلٍ من الخطابات التي تُضخِّم إنجازات هذا أو ذاك، حتى في أبسط الأعمال التي لا تتطلب أكثر من أداءٍ وظيفي طبيعي. ويتصدر المشهد جيشٌ من المنظّرين الذين ينسجون عبارات المديح ويُسرفون في إسناد الفضل إلى أفراد بعينهم، في تجاهلٍ صارخ لحقيقة أن الأوطان لا تُبنى بجهدٍ فردي، بل بمنظومة عملٍ متكاملة تتضافر فيها الجهود وتتقاطع فيها الأدوار.
إن المبالغة في تمجيد الأشخاص، وتضخيم أدوارهم إلى حدّ احتكار الإنجاز، لا يرفع من شأنهم كما يُتوهم، بل يُقوِّض مكانتهم ويُضعف صورة الدولة ومؤسساتها. فحين يُختزل النجاح في اسمٍ واحد، يتم تهميش آلاف العقول والسواعد التي شاركت في صنعه، وكأنها لم تكن جزءًا من المشهد، أو أن وجودها كان عبثًا لا قيمة له.
ولعل من أخطر ما ترسّخ في بعض الخطابات، ذلك التصور الذي يوحي بأن أي إنجاز لا يتحقق في الوطن إلا بصدور أمرٍ مباشر من شخص، وأن الفضل في تفاصيله وجزئياته يُنسب إليه وحده، وكأن مؤسسات الدولة وكوادرها ليست سوى أدوات تنفيذ بلا دورٍ حقيقي أو مبادرة. هذا الطرح لا يُجافي الواقع فحسب، بل يُفرغ العمل المؤسسي من مضمونه، ويُضعف روح المسؤولية لدى العاملين، إذ يحصر الفعل والفضل في قمة الهرم ويُقصي بقية المستويات.
إن هذا الخطاب لا يُجافي العدالة فحسب، بل يُنتج وعيًا زائفًا يُعيد تشكيل الحقيقة على نحوٍ مُضلِّل، حيث يُقدَّم الإنجاز كمنحةٍ فردية لا كثمرة جهدٍ جماعي. وهنا يبرز تساؤل مشروع: إذا كانت الإنجازات حكرًا على قلةٍ بعينها، فما جدوى هذا الاعداد الواسع من الموظفين في مختلف مستويات الدولة؟ ولماذا تتحمّل الخزينة العامة أعباء الرواتب والمصروفات إن لم يكن لهؤلاء دورٌ حقيقي في صناعة النجاح؟
ولست هنا في مقام الانتقاص من حق أي إنسان في التقدير أو الثناء، فالمديح حين يكون منضبطًا وعادلًا يُحفّز ويُعزّز الانتماء. غير أن الإشكال يكمن حين يتحول إلى خطابٍ إقصائي يُلغي الآخرين، ويُصادر جهودهم، ويُعيد توزيع الفضل بشكلٍ انتقائي يخدم صورةً على حساب الحقيقة.
بل إن الأخطر من ذلك، أن هذا النمط من التمجيد يُمهِّد، بشكلٍ غير مباشر، للتنصل من المسؤولية عند الإخفاق. فكما يُحتكر الإنجاز لشخص، يمكن أن يُعفى غيره من المحاسبة عند التقصير، فتضيع المسؤولية بين تضخيمٍ مُفرط في النجاح وتبديدٍ مُريب في الفشل.
إن الأوطان لا تُدار بمنطق الفرد، ولا تنهض بثقافة التمجيد، بل تُبنى على أسس العمل المؤسسي، حيث يتكامل الجميع في صناعة الإنجاز ويتقاسمون شرفه ومسؤوليته. والإنصاف الحقيقي لا يكون بإطفاء الضوء عن أحد، بل بتوزيعه بعدل على كل من أسهم، صغيرًا كان أم كبيرًا. فالوطن أكبر من أي اسم، وأبقى من أي شخص، وإنجازاته هي مرآة لجهدٍ جماعي لا يجوز اختزاله أو مصادرته.

