العموم نيوز: آذار 10- قبل اندلاع الحرب كانت دول الخليج والعراق وإيران تصدر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20 مليون برميل يومياً.
دخلت الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهةٍ أخرى يومها الحادي عشر منذ اندلاعها في 28 فبراير 2026، في وقتٍ تسبب فيه إغلاق مضيق هرمز بتعطيل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ويعبر المضيق نحو 20% من تجارة النفط العالمية، أي ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب، حيث أدى توقف مرور الناقلات في المضيق إلى تراجع حاد في صادرات النفط الخليجية والإيرانية.
وتشير تقديرات أسواق الطاقة إلى أن حجم الصادرات التي كانت تمر عبر المضيق انخفض من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى ما يقارب 6 ملايين برميل فقط عبر مسارات بديلة أو مخزونات مؤقتة.
ومع ارتفاع أسعار النفط العالمية فوق مستوى 110 دولارات للبرميل في بعض الفترات خلال الأيام الأولى للحرب، برزت الولايات المتحدة بوصفها أحد الأطراف الاقتصادية القادرة على الاستفادة من الأزمة، مستفيدةً من استقلالها النسبي في الطاقة وحجم إنتاجها الكبير.
اضطراب سوق النفط
قبل اندلاع الحرب كانت دول الخليج والعراق وإيران تصدر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20 مليون برميل يومياً، للسعودية وحدها نحو 7 ملايين برميل يومياً، في حين بلغ تصدير العراق نحو 3.3 ملايين برميل، والإمارات نحو 2.5 مليون، والكويت قرابة 2.5 مليون برميل يومياً.
ومع إغلاق المضيق تراجعت الصادرات بشكلٍ حاد، إذ انخفضت صادرات العراق بنحو 70% لتصل إلى أقل من مليون برميل يومياً، في حين اضطرت الكويت إلى تقليص الإنتاج بسبب امتلاء المخزونات النفطية، كما توقفت الصادرات الإيرانية تقريباً نتيجة الحرب والعقوبات.
وفي المقابل تمكنت بعض الدول من الالتفاف جزئياً على الأزمة عبر خطوط أنابيب بديلة، فالسعودية استخدمت خط الشرق–الغرب الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقةٍ تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، بينما تعتمد الإمارات على خط أنابيب أبوظبي–الفجيرة بطاقةٍ تقارب 1.5 مليون برميل يومياً.
ورغم هذه البدائل بقيت الأسواق العالمية تعاني نقصاً في الإمدادات، إذ يعتمد نحو 93% من صادرات النفط الخليجية على المرور عبر مضيق هرمز، وقد أدى هذا النقص إلى ارتفاع الأسعار العالمية للنفط بنسبة تراوحت بين 20% و30% خلال الأيام الأولى من الحرب.
حجم الإنتاج النفطي الأمريكي
تعد الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم خلال السنوات الأخيرة، إذ يبلغ إنتاجها في عام 2026 نحو 13.5 مليون برميل يومياً وفق تقديرات أسواق الطاقة، ويأتي الجزء الأكبر من هذا الإنتاج من حوض برميان النفطي في ولايتي تكساس ونيو مكسيكو.
كما تنتج الولايات المتحدة كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والسوائل النفطية الأخرى، ما يجعل إجمالي إنتاجها من السوائل النفطية يتجاوز 20 مليون برميل يومياً عند احتساب المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي.
وتصدر الولايات المتحدة نحو 3.9 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، إضافةً إلى أكثر من 6.7 ملايين برميل يومياً من المنتجات النفطية المكررة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات.
وقد تحولت الولايات المتحدة منذ عام 2020 إلى مصدرٍ صافٍ للطاقة، إذ تصدر من النفط والمنتجات النفطية أكثر مما تستورد، مع استمرار وارداتها المحدودة من كندا والمكسيك لأسباب تتعلق بطبيعة المصافي وخطوط الإمداد.
أرباح ارتفاع أسعار النفط
أدى اضطراب الإمدادات في الخليج إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى ما بين 110 و120 دولاراً للبرميل خلال بعض جلسات التداول في مارس 2026، وهو ما انعكس مباشرة على أرباح شركات النفط الأمريكية العاملة في الحقول الصخرية.
وتحقق شركات النفط الأمريكية أرباحاً أكبر عندما ترتفع الأسعار العالمية، لأن تكاليف الإنتاج في بعض الحقول الصخرية تتراوح بين 40 و60 دولاراً للبرميل، ما يمنحها هامش ربحٍ كبيراً عندما تتجاوز الأسعار حاجز 100 دولار.
كما يمنح ارتفاع الأسعار المنتجين الأمريكيين فرصة لتوسيع صادراتهم إلى أوروبا وآسيا، خصوصاً مع انخفاض صادرات الشرق الأوسط، وقد أصبحت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة أحد أكبر موردي النفط الخام إلى أوروبا بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي حال استمرار الأزمة قد تزيد الشركات الأمريكية الإنتاج خلال أشهر قليلة، إذ تتميز صناعة النفط الصخري بقدرتها على زيادة الإنتاج بسرعةٍ أكبر مقارنةً بالمشروعات النفطية التقليدية في الشرق الأوسط.
استفادة أمريكية
تقول المحللة الاقتصادية حنين ياسين إن الولايات المتحدة تستفيد اقتصادياً، ولو نسبياً، من أزمة النفط الحالية المرتبطة بالحرب مع إيران، مؤكدة أن هذه الاستفادة ليست مطلقة، ولا تخلو من مخاطر وتحديات.
وأوضحت أن السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى ارتفاع أسعار النفط، حيث يتقلب سعر خام برنت حالياً بين 87 و92 دولاراً للبرميل، وهو مستوى أعلى من متوسط الأسعار خلال العامين الماضيين الذي تراوح غالباً بين 70 و80 دولاراً.
وتضيف، في حديثها لـ”الخليج أونلاين”، أن ارتفاع الأسعار بهذا الشكل “يحقق أرباحاً كبيرة لشركات الطاقة الأمريكية، خصوصاً تلك التي تعتمد على النفط الصخري، لأن تكلفة الإنتاج لديها أقل بكثير من السعر العالمي”.
وتشير إلى أن مثالاً واضحاً على ذلك حدث بعد اضطرابات أسواق الطاقة عقب الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، عندما أعلنت شركتا “إكسون موبيل” و”شيفرون” أرباحاً مشتركة تجاوزت 30 مليار دولار في ربع واحد فقط، ما يوضح كيف يمكن للأزمات الجيوسياسية أن تعزز أرباح شركات النفط الأمريكية.
وأكدت أن الولايات المتحدة أصبحت اليوم أكبر منتج للنفط في العالم، إذ بلغ متوسط إنتاجها نحو 13.5 إلى 13.6 مليون برميل يومياً في عام 2025، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مع توقعات ببقاء الإنتاج قريباً من هذه المستويات في عام 2026 قبل انخفاض طفيف محتمل، مضيفة أن هذا يعني “أن أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على عائدات قطاع الطاقة الأمريكي”.
كما أشارت إلى أن الولايات المتحدة أصبحت منذ عام 2023 أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث بلغت صادراتها نحو 15 مليار قدم مكعبة يومياً في عام 2025، مع توقعات بزيادة إضافية في السنوات المقبلة.
وقالت إن اضطراب الإمدادات في الخليج أو ارتفاع المخاطر في المنطقة يرفع أسعار الغاز عالمياً، ما يعزز الطلب على الشحنات الأمريكية ويزيد أرباح الشركات المصدرة.
تقرير خاص
اقرأ أيضاً
قفزة الأسعار.. هل تعيد صدمة النفط رسم توازنات الحرب؟
وتؤكد ياسين أن هناك قيوداً تحد من هذه الاستفادة، موضحة أن قطاع النفط الصخري الأمريكي لا يستطيع زيادة الإنتاج بسرعة لتعويض أي نقص عالمي، لأن الشركات تحتاج إلى أسعار مرتفعة ومستقرة مدة طويلة قبل الاستثمار في آبار جديدة، وهي استثمارات قد تستغرق شهوراً أو حتى سنوات.
وأضافت أن ارتفاع أسعار النفط يخلق في الوقت نفسه ضغوطاً داخل الاقتصاد الأمريكي، إذ يؤدي إلى زيادة أسعار الوقود وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما قد يسبب تحديات سياسية واقتصادية، خاصة في الفترات الحساسة أو قرب الانتخابات.
الاحتياطي النفطي الأمريكي
وتمتلك الولايات المتحدة أحد أكبر الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في العالم، حيث يبلغ حجم الاحتياطي الاستراتيجي نحو 415 مليون برميل مخزنة في كهوف ملحية على ساحل خليج المكسيك، بينما تبلغ السعة القصوى لهذا الاحتياطي نحو 714 مليون برميل.
ويكفي هذا المخزون لتغطية نحو 19 يوماً من الاستهلاك الأمريكي الكامل، الذي يبلغ في المتوسط نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يمنح واشنطن قدرة على التدخل في السوق عند حدوث اضطرابات كبيرة في الإمدادات.
ويمكن للحكومة الأمريكية ضخ ملايين البراميل يومياً من هذا الاحتياطي لتهدئة الأسعار في السوق المحلية أو لدعم الحلفاء في حال حدوث نقص حاد في الإمدادات العالمية.
كما يسمح هذا الاحتياطي للولايات المتحدة بالتحكم جزئياً في تأثير الصدمات النفطية على اقتصادها، وهو عامل لا يتوافر لدى كثير من الدول المستوردة للطاقة.

