لندن: محمد الطّورة
غداً ستون سنة ونيف…..
في مساءٍ لندني هادئٍ يسبق ميلاد عامٍ جديد، أقفُ على عتبةِ الستين لا كمن يعدّ السنين، بل كمن يتأمل أثرها في روحه. ستون عامًا ليست رقمًا يُكتب، بل دروبٌ سلكتها، ووجوهٌ التقيتها، وأحلامٌ كبرت معي، وأخرى تركتها خلفي عند مفترقات الطريق.
تنقّلتُ بين البلدان، لا أحمل معي سوى قلبي وبعض الأمل. أحيانًا دفعتني الحاجة، وأحيانًا ساقَتني الظروف، لكنني في كل مرة كنت أتعلم درسًا جديدًا من الحياة؛ تلك المعلمة التي لا تُجيد اللين دائمًا، لكنها لا تُخطئ التعليم. رأيتُ من الناس طيبًا يفيض كالنهر، وأيادي امتدت إليّ في لحظات ضيقٍ لا تُنسى، أولئك الذين لا تزال أسماؤهم محفورة في داخلي بامتنانٍ لا يبهت. كما رأيتُ وجوهًا أخرى، تعلّمت منها الحذر، وربما الصمت، وربما كيف أكون أقوى مما ظننت.
وخلال تلك المسيرة الطويلة، تعرّفتُ على أطيافٍ مختلفة من الناس؛ من أمراء ورجال دولة إلى بسطاء من عامة المجتمع. لم تكن قيمة اللقاء في مناصبهم أو أسمائهم، بقدر ما كانت في ما تركوه في نفسي من أثر. فقد تعلّمتُ منهم أن المكانة الحقيقية لا تُقاس باللقب، بل بالتواضع، وأن القلوب تُفتح بالمحبة، وأن القرب من الناس ليس ضعفًا، بل سموٌّ في الأخلاق ورفعةٌ في الإنسانية.
حياتي لم تكن يومًا دربًا مفروشًا بالورد؛ بل كانت مسيرًا فوق شوك التجارب وقسوة الأيام. كم من ليلةٍ أخفيتُ فيها دموعي، لا ضعفًا، بل تماسكًا أمام من أحب، حتى لا يروا فيّ انكسارًا يثقل قلوبهم. واجهتُ أمراضًا شرسة، وكأنها اختباراتٌ للروح قبل الجسد، لكنني كنتُ في كل مرة ألوذ بيقينٍ لا يتزعزع بأن الله الرحمن الرحيم لا يخذل من توكّل عليه، فكنتُ أخرج من العاصفة أكثر ثباتًا، لا أكثر انكسارًا.
ولم أكن وحدي في هذه الرحلة؛ فقد كانت زوجتي الغالية، أم مهند، شريكة الدرب ورفيقة الصبر. لم نكن يومًا نُقيم الناس بميزان الحسب والنسب، ولا نُفرّق بينهم على أساس القرب أو البُعد، بل كنا نرى في كل إنسان مساحةً تستحق الاحترام والود. كانت سعادتنا الحقيقية تكمن في أن يتيح لنا الوقت فرصة خدمة الآخرين، واستقبالهم بقلوبٍ قبل البيوت، وبمحبةٍ صادقة لا تشوبها مصلحة. لم تكن الحياة في نظرنا تُبنى على ما نملك، بل على من نُحب، وعلى الأثر الطيب الذي نتركه في قلوب من حولنا. كنا نؤمن بأن القرب من الناس بابٌ من أبواب القرب إلى الله، وأن من أحبّه الله زرع له القبول في قلوب عباده، فكانت المحبة نهجنا، والبساطة طريقنا، والنية الصادقة زادنا في هذه الرحلة.
وقفتُ مع كثيرين في السراء والضراء، لا طلبًا لثناءٍ ولا انتظارًا لمقابل، بل وفاءً لما غُرس فيّ منذ الصغر. تربية والدي، رحمه الله، لم تكن كلماتٍ تُقال، بل كانت نهجًا يسري في دمي؛ أن أكون سندًا حين يميل الآخرون، وأن أُعين ما استطعت، حتى وإن كان ذلك على حساب راحتي.
غير أن الوجع الحقيقي، وأنا أقف اليوم على مشارف هذه الجردة الصادقة، لا يكمن في قسوة ما عشته، بل في خيبة ما رأيته. أن تكتشف — دون أن تُعمّم — أن بعض من كنتَ لهم عونًا وسندًا، ممن مددتَ لهم يدك في لحظاتٍ كانت فاصلة في مصائرهم ومصائر أبنائهم، قد تلاشى في ذاكرتهم أثر ذلك العطاء، أو بهت حتى كاد يُنسى. ليس ألم العطاء ما يوجع، بل صمت الوفاء حين كان حضوره هو أقلّ ما يُرتجى.
ولطالما كان في داخلي رجاءٌ صادق أن تسعفني الأيام بفرصة أردّ بها بعضًا من جميل وطني الحبيب الأردن، ذلك الوطن الذي أحاطني بدعمه واحتضنني في أحلك ظروفي العائلية. غير أن الأمنيات، مهما صدقت، لا تُدرك كلها، وتمضي الحياة أحيانًا بما لا تشتهي القلوب، وإن بقيت النيّات عامرة بالإخلاص.
ومع ذلك، لم أسمح لتلك الظروف أن تُطفئ في داخلي جذوة الوفاء، فاخترت أن أشقّ طريقًا آخر أعبّر به عن امتناني، فكان إطلاق “العموم نيوز” من لندن نافذتي التي أطلّ منها على وطني، أواكب قضاياه، وأحاول أن أكون، ولو عن بُعد، جزءًا من عطائه ومسيرته.
واليوم، في جردة حسابٍ صادقة، أسأل نفسي: أين أصبت؟ وأين أخطأت؟
أصبتُ حين بقيتُ وفيًّا لمبادئي، حين لم تغيّرني قسوة الأيام، وحين حافظتُ على إنسانيتي رغم كل ما مرّ بي. وأخطأتُ ربما حين منحتُ أكثر مما يجب، أو حين تأخرتُ في فهم بعض الحقائق، أو حين وثقتُ بمن لا يستحق. لكنني أدرك الآن أن الخطأ لم يكن عبثًا، بل كان جزءًا من رحلة التعلّم، وأن كل عثرةٍ كانت تُمهّد لخطوةٍ أكثر ثباتًا.
الستون ليست نهاية طريق، بل بداية وعيٍ مختلف. لم أعد أبحث عن كثرة الوجوه، بل عن صدقها، ولا عن طول الطريق، بل عن معناه. صرتُ أُقدّر السكينة أكثر من الضجيج، وأفهم أن الرزق ليس مالًا فقط، بل راحة قلبٍ وطمأنينة نفس.
حين أُطفئ شمعةً جديدة، لن أتحسّر على ما مضى، بل سأُحيّي ذلك الرجل الذي كنتُه، بكل ما فيه من ضعفٍ وقوة، من صوابٍ وخطأ. سأصافحه برضا، وأقول له: لقد فعلتَ ما استطعت، وتعلمتَ ما كان يجب أن تتعلمه.
وما تبقّى من العمر… ليس أقل شأنًا مما مضى، بل ربما هو الأجمل، لأنه يُعاش بعينٍ ترى بوضوح، وقلبٍ تصالح مع الحياة.
وغدًا، هنا في لندن، سأحتفي بذكرى ميلادي بين أفراد أسرتي الصغيرة؛ احتفاءٌ يتقاسم الفرح والحنين، إذ يظلّ للوطن حضوره الذي لا يُعوّض، وللأهل مكانتهم التي لا تُستبدل. ويغيب عن هذا المشهد وجهٌ لا يغيب عن القلب، وجه والدي الحبيب، الذي ودّعنا قبل عامين إلى دار الحق، لكنه ترك في روحي أثرًا لا يزول، وذكرى تزداد حضورًا مع كل محطة.
وفي هذه المناسبة، لا أملك إلا أن أتوجّه إلى الله العلي القدير بدعاءٍ خالص، أن يحفظ وطني الأردن، وأن يديم عليه أمنه واستقراره، وأن يوفّق قائده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله، وأن يحفظ الشعب الأردني العزيز من كل سوء ومكروه.

