لندن: محمد الطّورة
” ملوك، أمراء، وفقراء يجمعهم فحل البصل ورأس الفجل”… حين تختفي الفوارق حول المائدة
ثمة ميزة نادرة ينفرد بها الأردن عن كثير من دول العالم؛ ميزة لا تُقاس بحجم الاقتصاد ولا تُقارن بمؤشرات الرفاه، بل تُلمس في تفاصيل الحياة اليومية: غياب الحواجز بين الناس، وتلاشي الفوارق الطبقية في أبسط المواقف. ففي الأردن، قد يجلس الملك إلى جوار المواطن، ويتشارك الأمير والفقير مائدة واحدة، دون تكلف أو حواجز، وكأن المجتمع بأكمله أسرة واحدة.
في قلب العاصمة عمّان، وتحديدًا داخل مطعم هاشم الشعبي، تتجسد هذه الصورة بأبهى معانيها. هناك، لا فرق بين مسؤول ومواطن، ولا بين غني وفقير؛ الجميع يجلسون حول المائدة ذاتها، يتشاركون أطباق الفول والفلافل، ويكسرون الخبز نفسه، وربما يتقاسمون “فحل البصل ورأس الفجل”.
هذا التعبير الشعبي ليس مجرد كلمات، بل هو انعكاس حيّ لروح المجتمع الأردني، حيث تتلاشى الفوارق أمام بساطة العيش وصدق اللقاء.
وقد جسّد هذا المعنى مشهدٌ لافت، حين ظهر الملك عبدالله الثاني برفقة عائلته داخل مطعم هاشم، يتناولون الطعام كما يفعل أي مواطن. لم تكن هناك مظاهر رسمية أو حواجز، بل جلسة عائلية بسيطة تعبّر عن قرب القيادة من الناس، وتؤكد أن التواضع ليس استثناءً، بل نهجًا.
وليس غريبًا هذا المشهد من التواضع، ولا مستغربًا ذلك القرب من الناس؛ فهو امتداد طبيعي لمسيرة رجلٍ قضى سنواتٍ من عمره في صفوف القوات المسلحة، بين رفاق السلاح، حيث لا مكان للفوارق ولا اعتبار إلا للواجب. هناك، تقاسم معهم الطعام على بساطته، وجلس كما يجلس الجميع، على ذات الأرض وبذات الروح، فترسخت فيه قيم المشاركة والتواضع، لا كشعارٍ يُرفع، بل كأسلوب حياة يُمارس.
مطعم هاشم، الذي يُعرف بأنه “مطعم الفقراء”، وكاتب هذه السطور أحدهم، لم يكن يومًا حكرًا على فئة دون أخرى، بل هو مساحة يلتقي فيها الجميع. فهناك، يصبح طبق الفول وحبة الفلافل أكثر من مجرد طعام، بل رمزًا للمشاركة والانتماء.
في الأردن، لا يُقاس الغنى فقط بالمال، بل بالقدرة على الجلوس مع الآخرين دون تكلف، وبالاستمتاع بلقمة بسيطة بروحٍ كبيرة.
وهكذا في حضرة البصل والفجل… تسقط كل الفوارق.

