الباحث في الشؤون الدولية د. طارق عبود:
– التحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة في منطقة الخليج لا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي فرضتها الحرب الجارية.
– تنويع التحالفات بات خياراً منطقياً لدول المنطقة، بعد سنوات من الاعتماد شبه الأحادي على المظلة الأمريكية.
العموم نيوز: في مشهد يعكس حجم القلق الدولي المتصاعد، تتجه أنظار العواصم العالمية نحو الخليج، حيث يتوافد وزراء دفاع وقادة جيوش من دول عدة، في تحرك مكثف يعكس إدراكاً متزايداً بأن المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية، قد تعيد رسم ملامح الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
هذا الحراك العسكري والدبلوماسي لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع استمرار الحرب الدائرة منذ 28 فبراير الماضي، والتي وضعت الخليج في قلب معادلة معقدة، بعد تصاعد الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت حيوية ومناطق مدنية، بالتوازي مع تهديدات غير مسبوقة لأمن الملاحة، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين النفطية في العالم.
ومع تزايد وتيرة الضربات الجوية الإيرانية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، لم تعد دول الخليج وحدها في مواجهة التحدي، بل باتت الأزمة اختباراً حقيقياً لشبكة التحالفات الدولية، التي سارعت إلى تفعيل قنوات التنسيق العسكري وتقديم الدعم الدفاعي، في محاولة لاحتواء التداعيات ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
تحركات دولية متواصلة
تأتي زيارات وزراء الدفاع وقادة الجيوش لدول الخليج ضمن تحركات دولية متواصلة لدعم أمن واستقرار المنطقة، في ظل استمرار الهجمات الإيرانية التي عززت أهمية الشراكات الدفاعية بين دول مجلس التعاون وحلفائها الدوليين.
ففي قطر، أجرى وزير الدفاع اليوناني نيكولاوس جورجيوس، زيارة التقى خلالها نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، حيث بحث الجانبان أوجه التعاون الدفاعي والتنسيق المشترك في ظل الظروف الراهنة.
وفي السعودية، استقبل وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان نظيرته الفرنسية كاثرين فوترين، حيث ناقش الطرفان العلاقات الدفاعية بين البلدين وسبل تعزيزها، في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأمنية في المنطقة.
وشهدت الرياض أيضاً زيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، الذي بحث مع وزير الدفاع السعودي الاعتداءات الإيرانية في إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، إضافة إلى سبل التعامل مع التطورات المتسارعة.
حراك بريطاني مكثف
ضمن الحراك ذاته، شملت جولة وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، السعودية وقطر والبحرين، حيث عقد اجتماعات مع قيادات سياسية وعسكرية ركزت على تطورات الحرب وأمن الملاحة في مضيق هرمز، في ظل تصاعد المخاوف من تهديد خطوط الإمداد العالمية.
وأكد هيلي، في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية، أن بلاده ستقدم “أفضل ما تملكه” لدعم شركائها في الخليج، مشدداً على أن القوات البريطانية ستساعد في الدفاع عن الأجواء، ومندداً في الوقت نفسه بتزايد الهجمات الإيرانية.
وفي سياق الدعم العسكري، أعلنت لندن إرسال منظومات متقدمة إلى المنطقة، شملت رادارات وأنظمة قيادة وتحكم ومنصات صواريخ وبطاريات مدفعية، إلى جانب تعزيز انتشار منظومة “سكاي سابر” ضمن الدفاعات الجوية الإقليمية.
وواصلت بريطانيا تنفيذ عمليات دفاعية جوية منذ بداية الحرب عبر طائرات “تايفون”، التي تنفذ طلعات مستمرة لحماية الأجواء، مع تمديد فترة انتشارها في قطر، ومشاركتها في مهام انطلاقاً من قواعد في قطر والبحرين والأردن والإمارات.
وفي البحرين، كشفت لندن عن نشر منصة دفاع جوي متعددة المهام ضمن أنظمة الدفاع قصيرة المدى، بدعم فريق من الخبراء، فيما أعلنت نشر نظام “رابيد سنتري” في الكويت لرصد واعتراض الطائرات المسيّرة، ضمن منظومة “أوركوس”.
وأشار هيلي إلى أن القوات البريطانية نفذت أكثر من 1280 ساعة طيران منذ بدء العمليات، في مهام شملت حماية القواعد والرعايا والشركاء في المنطقة، مؤكداً أن بلاده تعمل ضمن إطار الدفاع الجماعي دون الانجرار إلى حرب أوسع.
اتصالات هاتفية
بالتوازي مع هذه الزيارات، تكثفت الاتصالات الهاتفية بين وزراء الدفاع في عدد من الدول ونظرائهم في الخليج، حيث أجرى وزير الدفاع السويدي بول جونسون، والإيطالي غويدو كروسيتو، والتركي يشار غولر، مباحثات مع الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، تناولت سبل تعزيز التعاون الدفاعي ومناقشة آخر التطورات الأمنية.
وتلقى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، اتصالات منفصلة من عدد من المسؤولين الدوليين، بينهم نظراؤه الأردني جعفر حسان، والأسترالي ريتشارد مارلز، والتركي يشار غولر، والكوري الجنوبي آن جيو باك، والروماني رادو ميروتا.
وركزت هذه الاتصالات على التطورات المتسارعة في ظل الهجمات الإيرانية التي طالت عدداً من الدول العربية.
ويعكس هذا الزخم في التحركات العسكرية والدبلوماسية حجم القلق الدولي من تداعيات الحرب، التي لم تعد تهدد أمن الخليج فحسب، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، خاصة مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وتصاعد المخاطر على إمدادات الطاقة.
خيار تنويع التحالفات
يرى الباحث في الشؤون الدولية د. طارق عبود، أن التحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة في منطقة الخليج لا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي فرضتها الحرب الجارية.
د. طارق عبود، الذي تحدث لـ”الخليج أونلاين”، يجد أن تنويع التحالفات بات خياراً منطقياً لدول المنطقة، بعد سنوات من الاعتماد شبه الأحادي على المظلة الأمريكية.
ويوضح عبود أن ملامح هذا التوجه لم تتشكل فجأة، بل سبقتها مؤشرات واضحة، من بينها توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين السعودية وباكستان قبل اندلاع الحرب، في خطوة تعكس توجهاً مبكراً نحو توسيع دوائر الشراكة العسكرية خارج الإطار التقليدي.
ويضيف أن حالة عدم اليقين التي تثيرها السياسات الأمريكية، خاصة في ظل تصريحات الرئيس دونالد ترامب المتكررة حول حلف شمال الأطلسي وانتقاداته الحادة للدول الأوروبية، دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم رهاناتها الاستراتيجية، ليس في الخليج فحسب، بل على مستوى النظام الدولي ككل.
وبحسب عبود، فإن هذه المعطيات مجتمعة تفتح الباب أمام نشوء أطر وتحالفات دفاعية أكثر مرونة وتعددية، قادرة على الاستجابة لتحديات المرحلة المقبلة، في ظل بيئة دولية تتسم بالتقلب وغياب الضمانات الثابتة.

