المحلل السياسي مصطفى النعيمي:
المنطقة اليوم مقبلة على خارطة جديدة لبناء التحالفات الاستراتيجية في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة.
هذه التطورات يمكن أن ترسم خارطة استراتيجية لبناء التحالفات المستقبلية في سوريا.
تكشف العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية بمشاركة القوات السورية، أواخر نوفمبر الماضي، تطوراً لافتاً في العلاقات بين البلدين، ليس فقط دبلوماسياً بل أيضاً على الصعيد العسكري.
العموم نيوز: في 30 نوفمبر 2025 أعلنت القوات الأمريكية، أنها نفّذت عملية واسعة بين 24 و27 نوفمبر في ريف دمشق الجنوبي، بالتنسيق مع وزارة الداخلية السورية، استهدفت أكثر من 15 موقعاً يضم مستودعات أسلحة تابعة لتنظيم “داعش”.
النتيجة كانت تدمير مخابئ أسلحة، تشمل صواريخ وذخائر ومواد لتفخيخ عبوات، بالإضافة إلى مواد مخدرة، وما وصف بأنه محاولة لتقويض قدرة التنظيم على استعادة قوته.
براد كوبر قائد القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) اعتبر أن نجاح العملية بمنزلة تضييق مساحات إعادة تنظيم “داعش” ومنع قدرته على تنفيذ هجمات مستقبلية، داخلياً أو تصديرها خارج سوريا.
أول تعاون من نوعه
هذا الانخراط العسكري المباشر بين دمشق وواشنطن يعد الأول من نوعه منذ سنوات الصراع في سوريا، ويبدو أنه يفتح فصلاً جديداً في خريطة التحالفات بين البلدين بعد حقبة من العداء والقطيعة.
ما يثير الانتباه أن هذا النوع من العمليات المشتركة لا يبدو جزءاً من نمط الاعتماد السابق الذي كان يركّز على دعم جهات محلية مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال-شرق سوريا، لا على حكومة دمشق مباشرة.
فوفق تقارير “سنتكوم”، غالبية العمليات التي نفّذتها القوات الأمريكية منذ 2014 كانت مع شركاء محليين خارج نطاق حكومة دمشق، لكن الحال تغيّر بعد تأكيد انضمام سوريا، في نوفمبر الماضي، إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، لتصبح العضو التسعين.
وكان لإعادة تثبيت العلاقات بين دمشق وواشنطن، خصوصاً عبر زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، أثر بالغ في تمهيد ما وصفته الولايات المتحدة بـ”التقدم الملحوظ” للعلاقات بين البلدين.
من الخلاف إلى التحالف
منذ 2014، اعتمدت الولايات المتحدة على تحالف مع “قسد” وفصائل محلية في شمال وشرق سوريا، البعيدة عن سيطرة نظام الأسد، هذه التحالفات ركّزت على قتال تنظيم “داعش” وسط بيئة معقدة من الانقسامات الداخلية.
ففي 9–10 نوفمبر 2025، وصل الشرع إلى الولايات المتحدة في زيارة رسمية، أصبحت الأولى لرئيس سوري إلى واشنطن منذ استقلال سوريا عام 1946.
وهنا كانت انطلاقة جديدة لسوريا في العلاقات الخارجية، ففي ضوء زيارة الشرع، بدا مؤكداً أن دمشق اتجهت نحو إعادة ترتيب سياستها وفتح صفحة جديدة مع واشنطن ضمن سياق من الشراكة بعد سنوات من العداء من جراء سياسة نظام الأسد.
كما كان واضحاً أن البلدين طويا صفحة طويلة من الخلاف، وفتحا صفحة جديدة من الشراكة، ويتأكد ذلك من نتائج الزيارة، ولقاء الشرع مع الرئيس دونالد ترامب حيث أبدى الأخير إعجابه بالقيادة السورية الجديدة وبالشعب السوري، مؤكداً استعداد بلاده لتقديم دعم لمسيرة البناء والتنمية في سوريا.
هذه الدينامية الجديدة عزّزها قرار أمريكي بإخراج اسم الشرع من قوائم الإرهاب والعقوبات، ما سهّل الطريق أمام هذا التقارب.
استراتيجية تحالفات مستقبلية
المحلل السياسي مصطفى النعيمي، الذي تحدث لـ”الخليج أونلاين”، يرى أن “المنطقة اليوم مقبلة على خارطة جديدة لبناء التحالفات الاستراتيجية في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة”.
كما لفت إلى أن هذه التطورات يمكن أن ترسم خارطة استراتيجية لبناء التحالفات المستقبلية في سوريا على النحو التالي:
المحور الأول – الاستقرار ومكافحة الإرهاب:
يركز على القضاء على التهديدات الأمنية المباشرة .
الأطراف الرئيسية: الولايات المتحدة، والحكومة السورية، وروسيا، والعراق.
التنسيق هنا تكتيكي ومحدد بمهام واضحة، يشمل التعاون الاستخباراتي وملاحقة خلايا الإرهاب.
المحور الثاني – التقارب الإقليمي المؤثر:
يهدف لإنهاء عزلة دمشق وإعادة دمجها في المحيط العربي والإقليمي.
الأطراف الفاعلة: السعودية والإمارات والأردن وتركيا.
التحالفات في هذا المحور قائمة على مصالح سياسية ودبلوماسية وإعادة الاستقرار الإقليمي.
المحور الثالث – النفوذ الجيوسياسي الضاغط:
يعتمد على التنافس على مناطق النفوذ والموارد.
الأطراف الرئيسيون: روسيا والولايات المتحدة.
هذه التحالفات هشة ومتقلبة بحسب المصالح الاقتصادية والأمنية الوطنية السورية.
وأشار إلى وجود وقائع ميدانية داعمة تشمل:
استمرار “عملية العزم الصلب” بقيادة واشنطن شرقي سوريا.
تصاعد نشاط خلايا “داعش” في البادية السورية ومحيط دمشق، ما يعزز التنسيق الاستخباراتي العراقي-السوري-الأمريكي لمكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة.
اللقاءات المعلنة وغير المعلنة بين القيادات السورية والأمريكية، ما يؤكد وجود قنوات اتصال أمنية على أعلى المستويات.
وحول الدلالات الاستراتيجية للعملية الأمريكية السورية المشتركة أوضح النعيمي:
إنهاء الصراع السوري سيعتمد أولاً على حلول أمنية براغماتية متدرجة، قبل الحل السياسي الشامل.
البوصلة الاستراتيجية للأطراف الكبرى تتجه نحو احتواء التهديدات الأمنية المشتركة، مع التركيز على الاستقرار ومكافحة الإرهاب.
تقرير خاص
اقرأ أيضاً
بعد زيارة الشرع لواشنطن.. هل تدخل سوريا نادي حلفاء أمريكا؟
أهمية الجنوب السوري
ريف دمشق الذي اختاره “داعش” ملاذاً يمتاز بطبيعة جغرافية متعددة تشمل الجبال والأودية والأشجار الكثيفة والمزارع، ومناطق شبه ريفية وأرياف نائية.
وتعدّ هذه المنطقة استراتيجية لقربها من الحدود مع الأردن بالإضافة إلى كونها طريق مرور بين العراق وسوريا.
حول دلالات اختيار تنظيم “داعش” لتكون مناطق جنوب سوريا مواقع اختباء له ولمعداته، يقول مصطفى النعيمي:
الجنوب السوري أصبح قاعدة للتمرد منخفض الكلفة بدل السيطرة التقليدية.
توفر ملاذاً للاختباء، وإعادة تجميع المعدات، وتنشيط الخلايا.
الاندماج بين السكان مستفيداً من ضعف البنية الأمنية والسياسية.
الاعتماد على “الذئاب المنفردة” لتجنب المواجهة المباشرة، مع تركيز على عمليات الاغتيال والاستنزاف.
استمرار نشاط داعش في الجنوب يثبت أن الخطر لن يزول ما لم تُعالج الهشاشة الأمنية والسياسية التي سمحت له بالعودة.

