9
كتب المحرر-
في زمنٍ أصبح فيه السؤال عن الطريق إلى الوظيفة أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى، يقف كثيرون حائرين: أيهما يمهّد الطريق فعلًا؟ الشهادات العلمية أم ما يُعرف بـ”كرت الواسطة” أو “فيتامين واو”؟
لم يعد السؤال الحقيقي: ماذا تعرف؟ بل أصبح في كثير من الأحيان: “مين بتعرف؟” أو أن “مع مين تمشي؟”
وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة.
لننظر إلى المشهد كما هو، بلا تزييف. رجلٌ طاعن في السن، قضى سنوات عمره بين الكتب والمختبرات، باع ما يملك، وربما قطعة أرضٍ كانت تمثّل له الأمان، حتى يحصل على شهادة الدكتوراه. اشتعل رأسه شيبًا، وامتلأ قلبه أملًا بأن العلم سيرفعه ويمنحه مكانته التي يستحق. لكنه في النهاية يقف على باب الوظيفة خالي الوفاض، لا يشفع له علمه ولا جهده.
في المقابل، شابٌ آخر لم يحمل من الشهادات ما يُذكر، لكنه يمتلك ما هو أقوى من أي مؤهل: “كرت الواسطة”. ورقةٌ صغيرة في حجمها، لكنها ثقيلة في تأثيرها، تتصدّرها عبارات مثل: “بناءً على أمر…”، “بناءً على رغبة…”، “بسلم عليك…”، أو دعمٌ مباشر من جهةٍ نافذة تُصدر توجيهها بالتعيين، فيتحوّل الطلب إلى أمرٍ لا يُرد، ولا يجرؤ أحد على مناقشته. وقد تُرفق هذه التوصيات بهدايا فاخرة وزجاجات عطرٍ ثمينة، لكنها في الحقيقة ليست سوى مفاتيح تفتح الأبواب المغلقة. وهكذا، يُختصر طريقٌ طويل من التعب والسهر والتضحيات في لحظةٍ واحدة، لا بفضل الكفاءة، بل بقوة النفوذ.
المفارقة هنا لا تكمن فقط في النتيجة، بل في الرسالة التي تُرسَّخ في العقول: أن المعرفة والخبرة قد لا تكون كافية، وأن العلاقات قد تتفوّق على الكفاءة. وهكذا يتحوّل ميزان التقييم من “ماذا تعرف؟” إلى “مين بتعرف؟ أو مع مين تمشي؟”.
فهل نقول للناس: وفّروا أرضكم ووقتكم وجهدكم، واستبدلوا ذلك بهدية وكرت واسطة؟ هل أصبح الطريق إلى الوظيفة يمر عبر العلاقات لا عبر الكفاءة؟
إن المشكلة ليست في الأفراد بقدر ما هي في منظومةٍ اختلّ ميزانها. حين يُهمَّش العلم ويُقدَّم النفوذ، فإننا لا نخسر فقط عدالة الفرص، بل نخسر مستقبلًا قائمًا على الكفاءة.
ورغم هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نرضخ لهذه المعادلة، أم نسعى لتغييرها؟
فالمجتمعات التي تُبنى على الواسطة قد تنجح مؤقتًا، لكنها لا تستمر، أما تلك التي تُقيم وزنًا للعلم والجهد، فهي التي تصنع التقدم الحقيقي.
وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان البسيط هو من يدفع الثمن… بين شهادةٍ لم تنصفه، وكرتٍ لم يحمله.

