في شارعٍ لا يُقاس بطوله، بل بما اختزن من أعمارٍ وأحلام، يمتدّ شارع الرشيد كأنّه نهرٌ من الحكايات، لا يجفّ مهما تغيّرت الفصول. هناك، لا تسير على الأرصفة فحسب، بل تمشي فوق طبقاتٍ من الزمن، كلّ طبقةٍ تحكي قصة، وكلّ زاويةٍ تُخفي سرًّا لم يُروَ بعد.
قال “ربيع” ذات صباح، وهو يحدّق في واجهاتٍ أكلت ملامحها السنين:
“هذا الشارع لا يشبه غيره… كأنّه يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا”.
ابتسم “وليد”، وهو يمشي إلى جانبه بخطواتٍ بطيئة، وقال:
“بل نحن من نظنّ أننا نعرفه… أما هو، فقد تعب منّا ومن تغيّرنا”.
كان الصباح في الرشيد مختلفًا؛ لا يبدأ بضجيجٍ صاخب، بل بنبضٍ خافت، كأن المدينة تستيقظ على استحياء. أبوابٌ خشبية تُفتح بصوتٍ يشبه الأنين، ونوافذ تُطلّ بعيونٍ نصف نائمة، وباعةٌ يفرشون يومهم على الأرصفة، كما لو أنهم يعيدون ترتيب الحياة من جديد.
مرّ “ربيع” و”وليد” أمام مقهى قديم، تعلوه لافتة بالكاد تُقرأ. جلس عند بابه “الحاج نعيم”، الرجل الذي يقولون إنه أقدم من المقهى نفسه. كان يراقب المارّة بصمت، وكأنّه يعدّ خطواتهم، أو يقيس ما تبقّى من أعمارهم.
ناداه ربيع:
“يا حاج… هل ما زال الشارع كما كان؟”
رفع الرجل رأسه ببطء، وحدّق فيهما طويلًا، ثم قال:
“الشارع لم يتغيّر… نحن الذين تخلّينا عنه قطعةً قطعة. كلّ منّا أخذ شيئًا ومضى، حتى لم يبقَ منه إلا ما ترون”.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
“زمان… كانت الضحكة هنا تُشبه العيد، واليوم… حتى العيد يمرّ خفيفًا كأنه غريب”.
تابع الصديقان سيرهما، وكأن كلمات الرجل أثقلت خطاهما. على يمينهما، وقف بائع جرائد، يلوّح بأوراقٍ تبهت حروفها قبل أن تُقرأ. صوته مبحوح، لكنه يصرخ كمن يقاوم النسيان.
اقترب وليد منه، وسأله:
“هل ما زال أحد يشتري؟”
ابتسم البائع ابتسامةً باهتة:
“لا أحد يشتري الأخبار يا ولدي… الناس صارت تخاف الحقيقة، أو ربما لم تعد تثق بها”.
ثم انحنى قليلًا، وقال بصوتٍ أقرب إلى الهمس:
“كنا نبيع الخبر… واليوم نبيع الوهم”.
على مسافةٍ غير بعيدة، ظهرت ملامح مدرسةٍ عتيقة، جدرانها متعبة لكنها صامدة، كأنها ترفض أن تسقط احترامًا لمن مرّوا بها. كانت لافتتها تقول: مدرسة حمزة بن عبد المطلب الإعدادية.
توقّف ربيع أمامها، كأنّ شيئًا يشدّه إلى الداخل. مرّر يده على الجدار، وقال:
“هنا… كان كل شيء ممكنًا. كنا نعتقد أن العالم يبدأ من هذا الباب”.
نظر وليد إلى النوافذ المكسورة، وقال:
“وكان ينتهي هنا أيضًا… حين اكتشفنا أن العالم لا يشبه ما تعلّمناه”.
دخلت نسمة هواءٍ خفيفة، حرّكت بقايا أوراقٍ على الأرض، وكأنّ المدرسة تحاول أن تتذكّر أسماء طلابها. في تلك اللحظة، خُيّل لربيع أنه سمع ضحكاتٍ قديمة، وأصوات معلمين، وقرع أجراسٍ لم تعد تُقرع.
قال بصوتٍ خافت:
“الأماكن لا تنسى… حتى لو نسيناها”.
أجابه وليد:
“لكنها تعاتبنا بصمت”.
ومع انحدار الضوء نحو المساء، بدأت الحكايات تخرج من الظلال. كانت الوجوه تمرّ، لكن بعضها لا يُنسى.
كانت ابتسام تمرّ من الشارع كما لو أنّها خيلٌ يصهل، حضورها يوقظ ما نام في العيون، وخطواتها تترك رجعًا يشبه إيقاع الحياة نفسها.
فيما كانت ملك تتبختر على ضفّة الشارع مثل طاووس، تسرق الأنظار دون أن تلتفت، كأنّها تعرف أن الجمال حين يثق بنفسه لا يحتاج إلى شاهد.
أما نعيمة… فتلك حكاية أخرى؛ كانت تمشي بهدوءٍ يشبه الدعاء، وتمتلك قدسية الصمت الخجول، كأنّها لا تريد أن تُرى، لكنها تُرى رغمًا عن الغياب.
وبين تلك الوجوه، كانت الذاكرة تُطلّ من الشرفات.
كانت أم إصطيف، بائعة اللبن والحليب، تخرج من “عليّة” البيت العتيق، تميل بجسدها قليلًا من فوق الخشب المتآكل، وتنادي بصوتٍ يحمل دفء البيوت القديمة:
“لك يا هدى…”
فتنساب لهجتها الشامية الناعمة في الشارع كأنّها قطعة موسيقى، يعرفها الجميع حتى من لم يعشها.
وعند زاوية الشارع، حيث يلتقي الصمت بالحكايات، كانت حبسة، الطاعنة في السن، تجلس على بوابة بيتٍ خشبيٍ قديم، تحيط بها ثُلّة من النساء. كنّ يشربن القهوة ببطء، كأنّهن يطيلن عمر اللحظة، ويدخّن تبغٌ قيل إنّه من الصنف المتوسط، صناعة وطنية، يحمل اسم “كولدستار”.
الدخان كان يرتفع خفيفًا، لا ليغطي الوجوه، بل ليكشفها أكثر؛ كلّ تجعيدةٍ كانت تحكي عمرًا، وكلّ نظرةٍ كانت تختصر حكاية.
ابتسم ربيع، وقال:
“حتى الدخان هنا… له ذاكرة”.
ردّ وليد:
“لأن من يشعلونه… لم ينطفئوا بعد”.
سكت قليلًا، ثم أضاف ربيع، وكأنّه يستدعي صورة بعيدة:
“كانت أمي تحمل تبغًا آخر… اسمه ‘كمال’… لا أعرف لماذا ما زلت أذكر الاسم، لكنّي أذكره كما أذكر وجهها”.
نظر إليه وليد، وقال بهدوء:
“بعض الأشياء لا تُنسى… لأنها لم تكن أشياء”.
مع اقتراب المساء، تغيّر وجه الشارع. الأضواء الصفراء بدأت تتسلّل إلى الأرصفة، والظلال امتدّت كأنها تبحث عن أصحابها. في تلك اللحظات، يصبح شارع الرشيد أكثر صدقًا؛ يخلع قناع النهار، ويظهر كما هو… متعبًا، لكنه حيّ.
جلس ربيع على حافة الرصيف، وأشعل سيجارة، ثم قال:
“يا وليد… هل تعتقد أن هذا الشارع ينتظرنا؟”
أجابه وليد، دون أن ينظر إليه:
“بل نحن من ننتظره… ننتظر أن يعيدنا إلى أنفسنا، كما كنّا”.
مرّت امرأةٌ مسنّة، تحمل كيسًا خفيفًا، لكن خطواتها ثقيلة. نادت طفلًا من بعيد، فلم يجبها أحد. توقّفت، ثم واصلت السير، كأنها تعوّدت على الغياب.
قال ربيع:
“حتى الأصوات تغيّرت… لم تعد تُشبه أصحابها”.
ردّ وليد:
“لأن أصحابها لم يعودوا هنا”.
في زاويةٍ قريبة، وقف شابٌ يحدّق في هاتفه، يبتسم لشيءٍ لا يراه أحد. ضحك ربيع وقال:
“هذا يعيش في شارعٍ آخر… لا يشبه الرشيد”.
أجابه وليد:
“نعم… شارع بلا ذاكرة”.
سكتا طويلًا، بينما كانت المدينة تنام ببطء، والشارع يرفض النوم. كان في صمته ضجيجٌ لا يُسمع، وفي سكونه حكاياتٌ لا تُروى.
قال ربيع أخيرًا:
“يا وليد… ماذا لو كتبنا عن هذا الشارع؟”
نظر إليه وليد، وقال:
“لن نكتب عنه… بل سنكتب به. سنجعل منه الحكاية، لا موضوعها”.
ابتسم ربيع، كأنّه وجد شيئًا كان يبحث عنه، ثم قال:
“إذن… لنبدأ من هنا”.
أشار إلى الأرض، إلى الرصيف، إلى كلّ ما حوله، وكأنه يقول إن البداية ليست فكرة، بل مكان.
وفي تلك اللحظة، بدا شارع الرشيد كأنه يصغي لهما… كأنّه يعرف أن أحدًا، أخيرًا، قرر أن يُنصفه بالكلمات.
وفي عمق الليل، حين خفَتت الأصوات، وبقيت الأنفاس وحدها تُسمع، ظلّ الشارع مستيقظًا… لا ليحرس الماضي، بل لينتظر من يجرؤ على أن يصنع له مستقبلًا..
* تذييل: إربد، قلب الشمال الأردني النابض، حيث التاريخ يلتقي بالحياة اليومية.

