لندن: محمد الطّورة
#الضمان الاجتماعي بين الشكوك والطمأنينة: مقترح لإعادة بناء الثقة
لم يكن الضمان الاجتماعي في يوم من الأيام مجرد مؤسسة حكومية عادية، بل كان دائماً يمثل في وعي الأردنيين شبكة الأمان التي تحمي مستقبلهم بعد سنوات العمل الطويلة. لذلك فإن أي حديث عن وضعه المالي لا يمكن أن يُنظر إليه كخبر اقتصادي عابر، بل كقضية وطنية تمس حياة آلاف الأسر الأردنية وطمأنينتها على المستقبل.
في الآونة الأخيرة تصاعدت النقاشات في الشارع الأردني حول الوضع المالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي. تعددت الآراء والتفسيرات، وارتفعت وتيرة التساؤلات حول قدرة المؤسسة على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين في السنوات القادمة، خصوصاً مع تزايد أعداد المنتسبين والمتقاعدين في ظل التحديات الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
البعض يتحدث عن رواتب مرتفعة لبعض الإدارات العليا داخل المؤسسة، وآخرون يوجهون انتقادات للحكومات المتعاقبة متهمين إياها بالاقتراض من أموال الضمان دون وضوح كافٍ حول آليات السداد. وبين هذه الروايات المتعددة، يبقى المواطن الأردني هو الأكثر قلقاً، لأنه يدرك أن هذه الأموال ليست أموال حكومة أو إدارة، بل هي حصيلة اقتطاعات من رواتب العاملين عبر سنوات طويلة من العمل والتعب.
هذا القلق ليس مجرد مبالغة أو تضخيم إعلامي، بل هو انعكاس طبيعي لحساسية الدور الذي تلعبه مؤسسة الضمان الاجتماعي في حياة الأردنيين. فالمواطن الذي يقتطع جزءاً من دخله شهرياً طوال سنوات خدمته لا ينتظر من هذه المؤسسة سوى أمر واحد: الأمان والاستقرار عندما يصل إلى مرحلة التقاعد.
وقد ازدادت أهمية الضمان الاجتماعي في السنوات الأخيرة مع توسع مسؤولياته لتشمل إدارة وصرف رواتب التقاعد لشرائح واسعة من العاملين المدنيين والعسكريين، الأمر الذي جعل هذه المؤسسة أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الدولة.
ومن الناحية السياسية، فإن أي غموض يحيط بالوضع المالي لمؤسسة بهذا الحجم لا بد أن ينعكس على مستوى الثقة العامة بالمؤسسات. فالثقة بين المواطن والدولة تُبنى على الشفافية والمصارحة والوضوح، لا على الشائعات أو التكهنات. والدول التي تحافظ على استقرارها هي تلك التي تدرك أن الأمن الاجتماعي لمواطنيها لا يقل أهمية عن الأمن الاقتصادي أو السياسي.
ومن المهم التأكيد هنا أن مؤسسات الضمان الاجتماعي في معظم دول العالم تُعامل باعتبارها من الخطوط الحمراء التي لا يجوز العبث بها أو التدخل في إدارتها من أي جهة كانت، لأنها تمثل مدخرات الشعوب وضمان مستقبلها الاجتماعي. ولهذا تحرص الدول المتقدمة على تحصين هذه المؤسسات بقوانين صارمة تضمن استقلاليتها وشفافية إدارتها، تماماً كما هو الحال مع البنوك المركزية التي تُدار بعيداً عن أي ضغوط أو تدخلات حفاظاً على الاستقرار المالي والاقتصادي للدولة. فكما أن البنك المركزي يحمي استقرار العملة والاقتصاد، فإن مؤسسة الضمان الاجتماعي تحمي استقرار المجتمع ومستقبل مواطنيه، ولذلك فإن إدارتها يجب أن تبقى محكومة بأعلى درجات الانضباط والمسؤولية الوطنية.
إن أموال الضمان الاجتماعي في حقيقتها ليست مجرد أرقام في حسابات مالية، بل هي مدخرات ملايين الأردنيين الذين اقتطعوها من قوت يومهم أملاً في مستقبل آمن لهم ولأسرهم. ولذلك فإن إدارتها يجب أن تكون على أعلى درجات الانضباط والشفافية والمساءلة.
وانطلاقاً من هذا الحرص الوطني، أطرح مقترحاً جريئاً وجاداً يتمثل في إسناد إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي إلى الدائرة المالية في القوات المسلحة الأردنية.
فالقوات المسلحة الأردنية ليست فقط مؤسسة للدفاع عن الوطن، بل هي أيضاً إحدى أكثر المؤسسات الوطنية انضباطاً وتنظيماً وثقة لدى الأردنيين. وتقوم إدارتها المالية على قواعد صارمة من الرقابة والمساءلة والدقة في إدارة الموارد.
كما أن شرف الجندية الذي يحكم عمل المؤسسة العسكرية، إلى جانب منظومة العقوبات والانضباط العسكري، يشكلان ضمانة حقيقية لحماية المال العام ومنع أي تجاوزات أو أخطاء قد تمس حقوق المواطنين.
قد يرى البعض أن الضمان الاجتماعي مؤسسة مدنية ولا ينبغي ربطها بالمؤسسة العسكرية، لكن الواقع يشير إلى أن هذه المؤسسة تقوم أساساً بصرف رواتب تقاعدية لآلاف العسكريين وأفراد الأجهزة الأمنية. ومن هنا فإن إشراف جهة مالية عسكرية معروفة بالدقة والانضباط قد يسهم في تعزيز الثقة العامة بالمؤسسة وإعادة الطمأنينة للمجتمع.
إن الهدف من هذا الطرح ليس الانتقاص من جهود العاملين في مؤسسة الضمان الاجتماعي أو التشكيك بكفاءاتهم، بل البحث عن صيغة إدارية تعزز الثقة العامة وتحصّن هذه المؤسسة الوطنية من أي جدل أو شكوك قد تؤثر على مكانتها أو استقرارها.
فالضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة حكومية، بل هو أحد أعمدة الأمن الاجتماعي في الدولة الأردنية، وأي اهتزاز في الثقة به قد ينعكس على استقرار المجتمع بأكمله.
وفي ختام هذا الطرح، فإن قضية الضمان الاجتماعي لم تعد مجرد نقاش إداري أو مالي، بل أصبحت قضية ثقة وطنية تمس حاضر الأردنيين ومستقبلهم. ومن هذا المنطلق فإنني أضع هذا المقترح بكل صدق وإخلاص أمام صاحب القرار الأول في الوطن، سيدي ومولاي حضرة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، راجياً النظر إليه بعين الحكمة والمسؤولية الوطنية. فالأردنيون عبر تاريخهم وجدوا في قيادتهم الهاشمية الضامن الأول لاستقرار الوطن وحماية حقوق أبنائه، وما هذا المقترح إلا تعبير صادق عن الحرص على أموال الأردنيين وصون هذه المؤسسة الوطنية لتبقى حصناً للأمن الاجتماعي وركيزة من ركائز استقرار الدولة الأردنية.
الديوان الملكي الهاشمي RHC@
القوات المسلحة الآردنية @

