لندن: محمد الطّورة
الأردن أكبر من المناكفات… والدولة لا تُدار بالهمس في المجالس والسهرات
أكتب إلى من هم في موقع المسؤولية اليوم، وإلى من كانوا فيه بالأمس، مستندًا إلى تجربة عمل عام جمعتني بكثير من رجالات الدولة خلال خدمتي في لندن وواشنطن. وقد أيقنت أن تداول المواقع سنة سياسية، لكن صون هيبة الدولة مسؤولية دائمة. ومن هذا الوعي أكتب، بعيدًا عن الشخصنة، وقريبًا من مصلحة الوطن العليا.
في الأردن، هذا الوطن الذي نحمله في القلب قبل أن نحمله في الوثائق الرسمية، لا يجوز أن يتحول الخلاف السياسي إلى حملة تشكيك مستمرة في مؤسسات الدولة ورموزها التنفيذية. فالنقد حق، بل واجب، لكن تحويله إلى معركة تصفية حسابات أمر لا يخدم إلا الإحباط وزعزعة الثقة.
في كل مرة تتشكل فيها حكومة جديدة، تبدأ ذات الأسطوانة: تشكيك في الأشخاص، تقليل من القدرات، وتضخيم لكل تحدٍّ وكأنه وُلد صباح التشكيل. وكأن بعض الأصوات لا تستطيع العيش إلا في ظل معارضة دائمة، حتى لو كانت بلا برنامج ولا بديل.
الحقيقة التي يعرفها الجميع أن التحديات الاقتصادية التي يواجهها الأردن اليوم ليست وليدة حكومة بعينها، ولا نتيجة قرار آني، بل هي تراكمات سنوات طويلة من ظروف إقليمية مضطربة وضغوط اقتصادية عالمية خانقة. من الظلم، بل ومن السطحية، تحميل أي فريق وزاري جديد كل أوزار الماضي في أسابيع أو أشهر.
من يتولى المسؤولية التنفيذية إنما يفعل ذلك ضمن منظومة دستورية واضحة، أساسها ثقة جلالة الملك الملك عبدالله الثاني، الذي كان ولا يزال الضامن الأول لاستقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها. والحكومة التي تنال هذه الثقة إنما تُمنح فرصة للعمل، لا لتُحاكم مسبقًا على النوايا.
أما مسألة عودة بعض الوزراء إلى مواقع المسؤولية، فهي ليست تهمة، بل قد تكون دلالة على خبرة تراكمت في العمل العام. معيار الحكم الحقيقي ليس “من عاد”، بل “ماذا أنجز”. والخبرة في إدارة الملفات الاقتصادية والسيادية ليست عبئًا كما يحاول البعض تصويرها، بل قد تكون في هذه المرحلة تحديدًا عنصرًا ضروريًا.
المفارقة أن بعض أشد المنتقدين اليوم كانوا جزءًا من مواقع القرار في مراحل سابقة، حين كانت التحديات نفسها حاضرة وربما أشد. آنذاك كان الصمت مبررًا بالظروف، واليوم تحوّل إلى خطاب تصعيدي لا يقدم حلولًا بقدر ما يراهن على إضعاف الثقة.
الأردنيون ليسوا جمهورًا ساذجًا يُساق بالشعارات. هم شعب واعٍ، يميز بين النقد البنّاء الذي يقترح بدائل واضحة، وبين خطاب المزايدة الذي يكتفي بإثارة الغبار. وهم يدركون أن الدولة لا تُدار من مجالس الهمس، ولا تُبنى عبر منشورات غاضبة على وسائل التواصل، بل عبر عمل مؤسسي متواصل، قد لا يكون صاخبًا لكنه مسؤول.
ليس المطلوب إلغاء النقد، بل الارتقاء به. وليس المطلوب التصفيق، بل الإنصاف. فالحكومة تُحاسَب على أدائها، نعم، لكن بعد أن تُمنح الفرصة الكافية للعمل، لا أن تُستهدف منذ يومها الأول.
الأردن اليوم بحاجة إلى خطاب يجمع لا يفرق، يبني الثقة لا يهدمها، يعزز الاستقرار لا يغامر به. المناصب زائلة، والأشخاص عابرون، أما الوطن فباقٍ. والتاريخ لا يذكر من أكثر من الضجيج، بل من تحمّل المسؤولية في اللحظات الصعبة.
ختاماً أوجه حديثي لدولة البدكتور جعفر حسان صاحب الخبرة الطويلة في الشأن العام قائلاً :
امضِ بثبات.
افتح الأبواب للنقد المسؤول.
لكن لا تمنح المزايدة شرعية أكبر من حجمها.
الأردن ليس ساحة ضجيج.
الأردن دولة مؤسسات.
ومن يراهن على إرباكها سيكتشف أن الدولة أعمق من الأسماء وأقوى من الحملات.
فالتاريخ لا يكتب من خلف المنصات المرتفعة، بل من مواقع القرار حين تكون الكلفة عالية.
ويبقى القول الأهم: الأردن أكبر من كل الأسماء، وأسمى من كل المناكفات،وأحق بأن يكون ساحة عمل لا ساحة تصفية حسابات صيقة.

