لندن: محمد الطورة – أبو مهند
قبل أن أتحدث عن تغيّر بعض الناس حين تعلو مناصبهم، أجد من الواجب والإنصاف أن أستحضر وجوهًا مشرقة عرفتها في مسيرتي المهنية؛ رجالًا ارتقوا إلى أعلى المواقع وتقلّدوا أرفع المسؤوليات، لكنهم ظلّوا كما عرفناهم في البدايات: تواضعًا في السلوك، وصدقًا في المعاملة، ووفاءً للعلاقات التي نشأت بينهم وبين زملائهم في سنوات العمل الأولى.
ومن بين تلك النماذج التي لا أنساها دولة الأخ الدكتور بشر هاني الخصاونة، الذي أتيحت له فرصة العمل بمعية جلالة الملك عبدالله الثاني، وهو ما منحه بلا شك مساحة واسعة للاطلاع عن قرب على أخلاق الهاشميين وما عُرفوا به من تواضعٍ وقربٍ من الناس، وهي قيمٌ لطالما شكّلت جزءًا أصيلًا من نهج القيادة الهاشمية في الأردن. وقد انعكس هذا القرب من مدرسةٍ قيادية تقوم على الاحترام والتواضع في أسلوبه وتعاطيه مع الآخرين.
وإلى جانب هذه التجربة، فقد نشأ دولة الدكتور بشر الخصاونة في بيتٍ عرف العمل العام وخدمة الدولة، فهو ابن معالي الدكتور هاني الخصاونة الذي عمل هو الآخر بالقرب من الأسرة الهاشمية، ومثّل الأردن سفيرًا في العديد من دول العالم. ولا شك أن هذه البيئة التي جمع فيها بين مدرسة الدولة وخبرة العمل الدبلوماسي، وبين القيم التي نشأ عليها في بيت والده، أسهمت في ترسيخ منظومة من الأخلاق المهنية والإنسانية التي بقيت حاضرة في شخصيته حتى بعد أن تولّى أعلى المناصب.
الرجل لم يتبدل فيه شيء من تلك الصفات التي عرفناه بها في سنوات العمل السابقة. بقي قريبًا كما كان، بسيطًا في تعامله، حريصًا على ألا يقطع خيط الزمالة الذي نسجته سنوات العمل قبل أن تتغير المواقع وتعلو المراتب.
لقد جمعتني ظروف العمل بعدد كبير من الرجال من أمثال دولة الدكتور أبو هاني خلال سنوات الزمالة والعمل قبل أن تفتح لهم أبواب المناصب الرفيعة، وحين بلغوا تلك المواقع لم يتعاملوا مع الماضي وكأنه مرحلة ينبغي طيّها، بل ظلّوا يرونه جزءًا أصيلًا من تاريخهم الإنساني والمهني. لم تنسهم الألقاب الجديدة الوجوه التي شاركتهم الطريق في بداياته، ولم تجعلهم المسؤوليات الكبرى يتنكرون لذكريات الزمالة التي صنعت الكثير من تفاصيل تلك السنوات.
بل إن بعضهم ازداد تواضعًا كلما ارتفع مقامه، وكأن المنصب عندهم لم يكن تاجًا يوضع على الرؤوس بقدر ما كان أمانة تُحمَل على الكتفين. كانوا يدركون أن المكانة الحقيقية لا يمنحها الكرسي، بل تصنعها الأخلاق التي تبقى ثابتة حين تتغير المواقع.
غير أن التجربة نفسها تكشف أحيانًا عن صورة أخرى لا تخلو منها الحياة؛ صورة بعض الأشخاص الذين لا يحتملون وهج المنصب حين يقترب منهم. فبينما يبقى كثيرون أوفياء لما كانوا عليه، نجد قلةً يتبدّل فيهم شيء خفي ما إن يجلسوا على الكرسي.
يتغير الصوت قليلًا، وتكبر المسافة قليلًا، وتصبح العلاقات التي كانت يومًا طبيعية وبسيطة أقل حضورًا في حياتهم. الوجوه التي كانت مألوفة تمرّ أمامهم وكأنها جزء من زمنٍ مضى، لا من حياةٍ ما زالت مستمرة.
وقد تتحول الخدمة التي كانت تُقدَّم بدافع الزمالة أو الصداقة إلى أمرٍ يُنظر إليه وكأنه حق مكتسب لا يحتاج إلى شكر. وكأن المنصب منح بعضهم سلطة على الآخرين قبل أن يحمّلهم مسؤولية تجاههم. وهنا يبدأ الكرسي في كشف ما كان خافيًا في أعماق النفس.
لكن الزمن، في هدوئه الطويل، يضع كل شيء في مكانه الصحيح. فالمناصب ـ مهما علت ـ عابرة، والسلطات ـ مهما اتسعت ـ مؤقتة. أما ما يبقى في ذاكرة الناس فهو شيء آخر تمامًا: كيف كان الإنسان قبل المنصب، وكيف أصبح بعده.
فالناس قد تحترم المنصب، لكنها لا تحب الغرور. وقد تصمت أمام السلطة، لكنها لا تنسى كيف تغيّر صاحبها حين ظنّ أن الارتفاع بالمكان يمنحه الحق في الارتفاع على الناس.
ولهذا يبقى أكثر الرجال قيمةً أولئك الذين لم تغيّرهم المناصب، بل زادتهم إنسانية. أولئك الذين ظلّوا يرون في الزمالة ذكرى كريمة لا تُنسى، وفي الصداقة عهدًا لا يُنقض، وفي التواضع قوة لا ضعفًا.
فالمقام الحقيقي للإنسان لا تحدده درجة المنصب الذي وصل إليه، بل تحدده قدرته على أن يبقى الإنسان نفسه… حتى وهو في أعلى موقع.

