لندن: محمد الطّورة
قال الله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: 85)، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (البقرة: 237). ويأتي الهدي النبوي ليُجسّد هذه المعاني في أبهى صورها، إذ يقول رسول الله ﷺ: «وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا» (رواه مسلم).
بهاتين الآيتين يفتح القرآن نافذةً واسعة على معنى الرحمة حين تتجلّى في أبهى صورها؛ فالصفح الجميل ليس تنازلاً عن الحق بل هو كما قال الرسول الهاشمي عليه الصلاة والسلام يزيد صاحبه عزاً، لا بل سموٌّ فوق الجراح، وارتقاءٌ بالنفس إلى مقامٍ تُقدَّم فيه إنسانية الإنسان على ما عداها من نزعات. والعفو الذي يقود إلى التقوى ليس ضعفًا، بل قوةٌ داخلية تُعيد ترتيب القيم، وتمنح القلب طمأنينته.
في كل عام، ومع إطلالة شهر رمضان، تتبدّل إيقاعات الحياة وتلين القلوب، ويعلو في الوجدان صوت الرحمة فوق ضجيج الخصومات. إنه شهر لا يُختصر في الصيام عن الطعام والشراب، بل يمتد ليكون تمرينًا روحيًا على العفو، ومراجعة النفس، وترميم ما تصدّع في العلاقات الإنسانية. وفي هذا المناخ المشبع بمعاني الصفح والتسامح، تتجدّد دعوات الأمهات والأفرادٍ والجماعاتٍ والمؤسساتٍ تطالب بالإفراج عن السجناء والمحتجزين ومن يخضعون للإقامة الجبرية، أملاً في أن يكون الشهر الفضيل بوابة فرجٍ لهم، وبداية صفحة جديدة لأسرٍ طال انتظارها.
هذه المطالب لا تنطلق، في جوهرها، من رغبة في تعطيل العدالة أو تجاوز القانون، بل من استدعاء البعد الإنساني الكامن في روح التشريعات نفسها. فالعدالة، في أسمى صورها، ليست عقابًا مجردًا، وإنما منظومة تهدف إلى حماية المجتمع وإصلاح الفرد معًا. وإذا كان القانون يُقيم ميزان الإنصاف، فإن الرحمة تمنحه بعده الأخلاقي. ومن هنا، تبدو فكرة العفو – حين تُمارَس في إطارٍ منضبط ومعايير واضحة – امتدادًا لروح العدالة لا نقيضًا لها.
كم من بيتٍ ينتظر مكرمة من لدن جلالة الملك صاحب المكارم والصفح والعفو ليمارس لحظة عناقٍ مؤجل، وكم من أمٍّ تُحصي الأيام على أمل أن يعود ابنها، وكم من طفلٍ يحلم بأن يفطر مرةً مع أبيه دون أن يفصل بينهما جدارٌ أو حارس أو يكون مقيد الحرية. إن الحديث عن الإفراج لا يتعلّق بأرقامٍ في سجلات، بل بأرواحٍ وأسرٍ وتجارب إنسانية معقّدة. ومع ذلك، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه لا بد أن تراعي حق المجتمع في الأمان، وحق الضحايا في الإنصاف، وأن تفرّق بين من أخطأ ومن أسيء فهم تصرفاته فاستحق فرصةً ثانية، ومن شكّلت أفعاله خطرًا جسيمًا لا يحتمل المجازفة.
في تجارب كثيرة حول العالم عايشت بعضاها في الأردن الحبيب قبل سنوات وبتدخل شخصي من لدن جلالة الملك، كان العفو في كل الأوقات حاضراً بمناسبة أو بدن مناسبة تقليدًا تتجلى فيه فلسفة الدولة تجاه مواطنيها؛ رسالة مفادها أن العقوبة ليست غاية في ذاتها، وأن باب العودة يظل مفتوحًا لمن أثبت استعداده للإصلاح. غير أن هذه المبادرات تنجح بقدر ما تكون محكومة بمعايير شفافة، تُراعي خطورة الجرم، ومدى انقضاء جزءٍ معتبر من العقوبة، وحسن السيرة داخل المؤسسات الإصلاحية، والظروف الصحية أو الإنسانية الخاصة أو لإعتبارات معينه. فالتوازن الدقيق بين الرحمة وهيبة القانون هو ما يمنح القرار قوته الأخلاقية ويصونه من التأويل.
ثم إن المصالحة الحقيقية لا تكتمل بفتح أبواب السجون وأطلاق حرية من هم في الإقامة الجبرية فحسب، بل بفتح أبواب الاندماج أيضًا. فالمفرَج عنهم يحتاجون إلى برامج تأهيل ودعم نفسي واجتماعي، وإلى فرص عمل تحفظ كرامتهم، حتى لا تتحول لحظة الفرج إلى عودةٍ إلى دوائر التهميش ذاتها. المجتمع، من جهته، مدعوٌّ إلى أن يكون شريكًا في هذه العملية؛ فقبول الآخر بعد خطئه امتحانٌ لوعينا الجماعي بجدوى الإصلاح على حساب الإقصاء.
يبقى القرار في نهاية المطاف بيد الجهات المختصة، تحكمه اعتبارات قانونية وأمنية وسياسية معقدة. غير أن رمضان، بما يحمله من رمزية روحية عميقة، يذكّر الجميع بأن الإنسان أكبر من خطئه إذا صدقت توبته، وأن المجتمع ممثلاأ بقائده أقوى حين يمنح أبناءه فرصة النهوض من جديد. بين مقتضيات العدالة ونداء الرحمة مساحةٌ يمكن أن تُبنى فيها جسور الثقة، وتُستعاد فيها لحمة المجتمع، وتُكتب فيها مكرمة تُحفظ في ذاكرة الناس بوصفها لحظة تصالحٍ مع الذات قبل أن تكون تصالحًا مع الآخرين.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه أسباب الفرقة، لعل مبادراتٍ مدروسة في اتجاه العفو تمثّل خطوةً نحو تخفيف الاحتقان، وإشاعة أجواء الطمأنينة، وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان بوصفه محور كل سياسة عادلة. فحين تتصافح العدالة مع الرحمة وتقترب القلوب من بعضها، لا يُهزم القانون، بل يكتسب وجهه الأسمى.

