لندن: محمد الطّورة
بصراحة موجعة، أصابني قدر من الاشمئزاز والغثيان وأنا أتابع هذا السيل الجارف من المتصدرين للمشهد عبر وسائل الإعلام، ممن يخوضون بثقة في قضايا وأحداث لا تمت لتخصصهم بصلة، وكأن المنابر قد تحولت إلى مساحات مفتوحة لمن يجيد الظهور لا لمن يملك المعرفة. وما يزيد المشهد إرباكًا أن بعض الجهات الرسمية، ولأسباب تبقى غامضة، تفتح الأبواب لهؤلاء وتمنحهم شرعية الحضور، في وقت يُفترض فيه أن تُصان المنصات وتُحاط بالمعايير الصارمة للكفاءة والخبرة. أمام هذا الواقع المقلق، تتزاحم الأسئلة أكثر مما تتوفر الإجابات، لكن تبقى حقيقة واحدة لا تتغير: أن الحقائق لا تُطمس طويلًا، وأن “عند جهينة الخبر اليقين”.
في زمن الأزمات الكبرى، لا تعود الكلمة مجرد رأي عابر، بل تتحول إلى قوة قادرة على التوجيه أو التضليل، على الطمأنة أو إثارة الذعر. وفي مجتمعاتنا العربية، يبرز نمط متكرر وخطير يتمثل في تصدّر غير المختصين للحديث في قضايا مصيرية تمس حياة الناس ومستقبلهم، من الاقتصاد إلى الصحة، ومن السياسة إلى أنظمة “الضمان الاجتماعي”، بل وحتى في أكثر الملفات حساسية وخطورة، كالحروب والتحليلات العسكرية، حيث نرى من يتنطح لتفسير مجريات المعارك واستشراف نتائجها دون أي خلفية علمية أو خبرة ميدانية، وكأن الأمر مجرد نقاش عابر لا يترتب عليه وعي أو موقف.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي عابر، بل أصبحت بيئة كاملة من الضجيج المعرفي الذي يربك المجتمع ويقوّض ثقته في الحقيقة. المشكلة لا تكمن في أن الناس تتحدث، فحرية التعبير حق أصيل، بل في أن الرأي يُقدَّم على أنه معرفة، وأن الجرأة في الطرح تُلبس ثوب الخبرة. في ظل هذا الواقع، يصبح المتلقي العادي عاجزًا عن التمييز بين المختص الحقيقي وصاحب الصوت المرتفع، خاصة عندما تتداخل العواطف مع المعلومات، وتُطرح القضايا الحساسة بلغة تخويف أو تهويل.
وعندما ينتقل هذا السلوك إلى ميدان الحروب، تتضاعف الخطورة، لأن التحليل العسكري ليس اجتهادًا إنشائيًا، بل علم قائم على معطيات دقيقة، وتقديرات معقدة، وخبرة تراكمية. ومع ذلك، يمتلئ الفضاء العام بقراءات سطحية أو متسرعة تُبنى على مقاطع مجتزأة أو أخبار غير مؤكدة، مما يخلق وعيًا زائفًا لدى الناس، ويدفعهم إلى تبني مواقف قائمة على معلومات مضللة.
عندما يتحدث غير المختصين في قضايا مثل الضمان الاجتماعي أو الاقتصاد الوطني، فإن الأثر لا يتوقف عند حدود الجدل، بل يمتد إلى سلوك الناس وقراراتهم. الخوف على المستقبل، القلق على المدخرات، وانعدام الثقة في المؤسسات، كلها نتائج مباشرة لخطاب غير مسؤول قد يكون قائمًا على جهل أو على سعي للظهور أو التأثير. الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يخلق حالة من التشكيك المستمر، تجعل المجتمع أكثر هشاشة أمام الشائعات وأقل قدرة على اتخاذ قرارات عقلانية.
ولا يمكن إغفال دور البيئة الرقمية التي سمحت لأي صوت بالوصول إلى آلاف، بل ملايين المتابعين دون أي تدقيق أو مساءلة. في هذا الفضاء، لا تُقاس القيمة بمدى صحة المعلومة، بل بمدى انتشارها، ولا يُكافأ الأعلم بل الأكثر إثارة. وهكذا تتكرس معادلة مقلقة: كلما كان الطرح أكثر حدة أو تخويفًا، زاد انتشاره، بغض النظر عن دقته.
لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون عبر تقييد الكلام أو تجريم الآراء بشكل مطلق، فذلك يفتح أبوابًا أخطر تمس الحريات الأساسية. الحل الحقيقي يكمن في بناء منظومة وعي متكاملة، تبدأ من التعليم ولا تنتهي عند الإعلام. نحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة تحترم التخصص، وتُميز بين الرأي والمعلومة، وتُعلّم الفرد أن يسأل قبل أن يصدق، وأن يتحقق قبل أن ينقل.
كما أن على الدولة دورًا محوريًا في هذا السياق، ليس فقط من خلال القوانين، بل عبر تعزيز حضور الخبراء الحقيقيين في الفضاء العام، وتقديم المعلومة الدقيقة بشفافية وسرعة، قبل أن يملأ الفراغ من لا يملكون الأدوات ولا المسؤولية. فغياب الصوت الرسمي الواضح يفتح المجال واسعًا أمام الأصوات غير المؤهلة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تُضعف المعرفة فقط، بل تُضعف المجتمع نفسه. فمجتمع لا يثق بالمعلومة، ولا يميز بين المختص وغيره، هو مجتمع سهل الانقياد، سريع الاضطراب، وبعيد عن الاستقرار. ومن هنا، فإن التصدي لهذا النهج ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لحماية الوعي العام وصون مستقبل الأجيال القادمة.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس: من يتحدث؟ بل: لماذا نصدق؟ والإجابة تبدأ من كل فرد، كما تبدأ من كل مؤسسة، في معركة طويلة عنوانها استعادة قيمة المعرفة، وإعادة الاعتبار لمن يستحق أن يُسمع.

