لندن: محمد الطّورة
في زمن يعلو فيه الضجيج السياسي، ويكثر فيه التنافس على الأدوار والظهور، يختار الأردن طريقًا مختلفًا، طريق العمل الصامت والدبلوماسية الهادئة، إيمانًا منه بأن الحضور الحقيقي لا يُقاس بكثرة التصريحات، بل بعمق التأثير وصدق النتائج. ومن هنا، فإن الدور الأردني في القضايا الإقليمية والدولية ظل ثابتًا، واضح المعالم، تقوده رؤية ملكية حكيمة جعلت من الأردن دولة حاضرة في كل الملفات الكبرى دون أن تزاحم أحدًا أو تبحث عن أضواء.
تتعدد التساؤلات التي تُطرح من هنا وهناك حول دور الأردن في القضايا العالمية المطروحة على الساحة الدولية، وغالبًا ما تختلط المفاهيم بين الحضور الحقيقي والحضور الصاخب، وبين الفعل المؤثر والظهور الإعلامي العابر. غير أن الأردن، منذ نشأة دولته الحديثة، اختار نهجًا مختلفًا؛ نهجًا يقوم على العمل الصامت، والدبلوماسية الهادئة، والإيمان العميق بأن النتائج وحدها هي المعيار، وأن الأمور تُقاس بخواتيمها لا بضجيجها.
الأردن لا يزاحم أحدًا على الأضواء، ولا ينافس على العناوين العريضة، لأنه يدرك أن الثبات على المبدأ، والوضوح في الموقف، والاستمرارية في الفعل، هي التي تصنع التأثير الحقيقي والدائم. ومن هذا المنطلق، فإن حضوره المتواصل في القضايا الدولية لم يكن يومًا وليد اللحظة أو ردّ فعلٍ طارئ، بل هو امتداد طبيعي لنهج دولة آمنت مبكرًا بأن الاستقرار العالمي يبدأ من تحمّل المسؤولية، وأن الصمت حين يكون فعلًا، يكون أبلغ من آلاف الخطب.
وفي صميم هذا النهج، يقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، قائدًا حمل الأمانة منذ ربع قرن، وسار بها على ذات الطريق الذي رسمه والده، المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال؛ طريق الحكمة والاعتدال والانحياز للحق دون مساومة. فمنذ تولي جلالته سلطاته الدستورية ملكًا للمملكة الأردنية الهاشمية، لم يتغيب يومًا عن أي اجتماع أو مؤتمر أو قمة عربية أو دولية تتعلق بقضايا الأمة أو شؤون العالم، بل كان دائمًا في مقدمة الحضور، ثابت الموقف، واضح الرؤية، صادق الالتزام.
وما يشهده العالم اليوم من تطورات متسارعة، لا سيما في منطقتنا، يؤكد مجددًا أن الأردن حاضر حيث يجب أن يكون. فقد جاءت دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجلالة الملك ليكون أحد أعضاء لجنة (مجلس السلام) في غزة لتؤكد المكانة التي يحظى بها الأردن، والدور المحوري الذي يؤديه، لا بوصفه طرفًا يسعى إلى النفوذ، بل دولة يُعوَّل عليها لما تمتلكه من مصداقية سياسية، ورصيد أخلاقي، وتجربة راسخة في إدارة الأزمات والسعي إلى تحقيق السلام العادل.
أما القضية الفلسطينية، قضية العرب الأولى، فقد كانت وستبقى في صميم الموقف الأردني، قولًا وفعلًا. لم تكن يومًا بندًا ثانويًا في الخطاب السياسي الأردني، ولا ورقة ظرفية تُستخدم عند الحاجة، بل قضية مبدأ وهوية ومسؤولية تاريخية. ولم يتراجع الأردن، بقيادته الهاشمية، يومًا عن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ولا عن السعي الدؤوب لإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها.
إن من يبحث عن دور الأردن في حجم التصريحات أو كثافة الحملات الإعلامية قد يخطئ التقدير. فالأردن لا يؤمن بالضجيج، ولا يراهن على الترويج، لأن ما يقدّمه للعالم يُقاس بنتائجه لا بعناوينه. لقد اختار أن يعمل بصمت، وأن يترك للأفعال أن تتحدث، وللإنجازات أن تشهد.
في عالم تتبدل فيه المواقف سريعًا، يظل الأردن ثابتًا على نهجه، لا يزاحم أحدًا، ولا يطلب شهادة من أحد، لأنه يدرك أن من يعمل بإخلاص، ويصبر بحكمة، يصل في النهاية إلى النتائج المطلوبة والمتوقعة… وربما أكثر.

