تصعيد غير مسبوق من دونالد ترامب وتهديد بـ”فتح أبواب الجحيم” على إيران.
– مخاوف من كسر المحظور النووي مع طرح خيار السلاح النووي التكتيكي.
– خبير عسكري: الاستخدام النووي مستبعد حالياً ويظل أداة ردع أخيرة رغم التصعيد.
العموم نيوز: مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، ودخولها أسبوعها السادس، تتجه المواجهة نحو مرحلة أكثر تعقيداً، في ظل تزايد حدة العمليات العسكرية واتساع نطاقها الجغرافي، بالتوازي مع تصعيد سياسي وإعلامي يعكس انتقال الصراع إلى مستوى أعلى من المواجهة المباشرة وغير المباشرة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من خروج النزاع عن السيطرة، خاصة مع تشابك المصالح الإقليمية والدولية، وارتفاع وتيرة التهديدات المتبادلة، ما يعيد طرح سيناريوهات كانت حتى وقت قريب خارج حسابات الصراع التقليدي، وعلى رأسها احتمالات الانزلاق إلى استخدام أسلحة ذات طابع استثنائي.
تصريحات نارية
وفي هذا السياق، صعّد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لهجته بشكل غير مسبوق، ملوّحاً بإمكانية “فتح أبواب الجحيم” على إيران، في تصريحات أثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة الخيارات العسكرية المطروحة، وهل يكون من ضمنها السلاح النووي؟
وجاءت هذه التصريحات عقب إعلان إسقاط طائرة مقاتلة من طراز “إف-35” وفقدان أحد طياريها، حيث كتب ترامب عبر منصته “تروث سوشال”، السبت 4 أبريل الجاري: “أتذكرون حين أمهلت إيران عشرة أيام لإبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز؟ الوقت ينفد، تتبقى 48 ساعة قبل أن ينزل عليهم الجحيم!”، في إشارة مباشرة إلى اقتراب اتخاذ خطوات تصعيدية حاسمة.
ورغم أن هذا السيناريو كان يُعد حتى وقت قريب من المحظورات السياسية والعسكرية، فإن التحولات المتسارعة في طبيعة الصراع، إلى جانب نهج ترامب القائم على الحسم والضغط الأقصى، جعلت من مناقشته أمراً واقعياً في أوساط الخبراء، خاصة مع تصاعد وتيرة المواجهة واتساع نطاقها.
ويُقصد بالسلاح النووي التكتيكي ذلك النوع من الأسلحة النووية ذات القدرة التدميرية المحدودة نسبياً مقارنة بالأسلحة الاستراتيجية، حيث يُستخدم في ساحات المعارك لتحقيق أهداف عسكرية مباشرة بدلاً من استهداف المدن الكبرى. ولا تكمن خطورة هذا النوع من الأسلحة في قوته التدميرية فحسب، بل في كونه يخفض “عتبة الاستخدام النووي”، ما قد يجعل اللجوء إليه أكثر قابلية للتبرير في النزاعات، وهو ما يحذر منه خبراء الأمن الدولي باعتباره مدخلاً محتملاً لتصعيد نووي أوسع.
ومنذ عودته إلى الواجهة السياسية، تبنّى ترامب خطاباً وسياسات تعكس ميلاً واضحاً نحو استخدام القوة كأداة رئيسية في إدارة الأزمات الدولية. وفي نهاية أكتوبر 2025، أعلن استئناف اختبارات الأسلحة النووية، حيث كتب على منصته: “نظراً لبرامج الاختبار التي تُجريها دول أخرى، فقد وجهتُ وزارة الحرب لبدء اختبار أسلحتنا النووية على قدم المساواة، وستبدأ هذه العملية فوراً”، في خطوة عكست توجهاً نحو إعادة تفعيل أدوات الردع النووي.
وجاء هذا الإعلان بعد يوم واحد من إعلان موسكو إجراء اختبار ناجح لمسيّرة تحت الماء قادرة على حمل رؤوس نووية، إلى جانب اختبار طوربيد فائق القدرة يعمل بالطاقة النووية، في تطور يعكس تسارع سباق التسلح بين القوى الكبرى وتزايد الاعتماد على منظومات ردع متقدمة.
العقيدة الأمريكية
وفي هذا السياق، أكد اللواء الركن الطيار والخبير العسكري علوان العبوسي، أن السلاح النووي يُعد أخطر أنواع أسلحة الدمار الشامل، إذ تعتمد قوته على الطاقة الحرارية والتدميرية الناتجة عن التفاعلات داخل نواة الذرة، مشيراً إلى أن استخدامه العملي الأول كان في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما استخدمته الولايات المتحدة ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي عام 1945.
وأوضح العبوسي، في حديثه لـ”الخليج أونلاين”، أن السلاح النووي يقوم على نوعين رئيسيين من التفاعلات، يتمثل الأول في الانشطار النووي لذرات اليورانيوم أو البلوتونيوم، ما يؤدي إلى إطلاق طاقة هائلة تبلغ ملايين الدرجات المئوية، إضافة إلى قوة تدميرية كبيرة، في حين يعتمد النوع الثاني على الاندماج النووي لذرات الهيدروجين، وهو ما يُنتج قوة تدميرية فائقة.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تمتلك النوعين من هذه القنابل، ويصل إجمالي مخزونها النووي إلى نحو 5177 رأساً نووياً، موزعة على ثلاث ركائز رئيسية هي الصواريخ والغواصات والقاذفات الاستراتيجية ضمن ما يُعرف بـ”الثالوث النووي”، موضحاً أن الغواصات النووية تمثل الركيزة الأهم؛ نظراً لقدرتها على التخفي وتنفيذ ضربات بعيدة المدى تصل إلى نحو 7000 كيلومتر دون كشفها.
وفيما يتعلق باحتمالات استخدام السلاح النووي في الصراع الحالي، أكد العبوسي أن هذا الخيار يبقى ضعيفاً جداً في الظروف الراهنة، موضحاً أن العقيدة النووية الأمريكية تعتبره وسيلة ردع أخيرة لا أداة قتال تقليدية، حيث يُستخدم فقط في حال تعرض الولايات المتحدة أو حلفائها لتهديد مباشر، لا سيما باستخدام أسلحة دمار شامل.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لم تلجأ إلى هذا الخيار حتى في نزاعات كبرى مثل الحرب الكورية أو حرب فيتنام، ما يعزز من فرضية محدودية استخدامه، محذراً في الوقت نفسه من أن اللجوء إليه بشكل تكتيكي قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية وسياسية وقانونية خطيرة، مع احتمال توسيع نطاق النزاع إلى مستويات يصعب السيطرة عليها.
وأوضح أن الأزمات العسكرية تمر عادة بمراحل تصعيد تدريجي، تبدأ بتكثيف العمليات العسكرية التقليدية، ثم تتوسع لتشمل العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية، وربما اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وصولاً إلى تنفيذ عمليات ردع واسعة، مشيراً إلى أن الخيار النووي لا يُطرح إلا في حالات استثنائية تتعلق بتهديد وجودي مباشر أو انهيار منظومة الردع التقليدي.
أكبر قوة نووية
وتعد الولايات المتحدة واحدة من أكبر القوى النووية في العالم، حيث تمتلك ترسانة متطورة جرى تحديثها باستمرار منذ الحرب الباردة لضمان القدرة على توجيه ضربات من البر والبحر والجو، بما يعزز من قوة الردع ويصعب تحييد هذه القدرات.
ووفق تقديرات اتحاد العلماء الأمريكيين في يونيو 2025، يبلغ حجم المخزون النووي الأمريكي نحو 5177 رأساً حربياً، منها 1670 رأساً منشوراً، إلى جانب مخزون احتياطي يقدر بنحو 1930 رأساً، ونحو 1477 رأساً خارج الخدمة بانتظار التفكيك، فيما يشمل السلاح المنشور صواريخ باليستية برية وبحرية، وقاذفات استراتيجية، إضافة إلى قنابل تكتيكية منتشرة في قواعد أوروبية.
وفي البعد الجوي، تشكل القاذفات الاستراتيجية مثل “بي-52″ و”بي-2” ركيزة أساسية للقدرة النووية، حيث تستطيع حمل قنابل متطورة مثل “بي61” التي يمكن تعديل قوتها التفجيرية وفق طبيعة الهدف، فيما تعتمد القوات الجوية الأمريكية على صواريخ “مينيوتمان 3” العابرة للقارات كأحد أبرز مكونات الردع البري.
أما في البحر، فتعد الغواصات النووية من فئة “أوهايو” حجر الزاوية في الردع الأمريكي، إذ تحمل صواريخ “ترايدنت 2” وتتميز بقدرتها على التخفي وتنفيذ ضربات بعيدة المدى، ما يمنح الولايات المتحدة قدرة الرد حتى في حال تعرضها لهجوم مفاجئ، فيما يضم الأسطول الأمريكي 14 غواصة من هذا النوع القادر على حمل صواريخ برؤوس نووية.
وبينما تتواصل هذه التطورات، يبقى التصعيد الحالي محكوماً بتوازنات دقيقة بين الردع والانفجار، في ظل سعي الأطراف المتصارعة إلى تحقيق مكاسب ميدانية دون تجاوز الخطوط الحمراء، غير أن استمرار الحرب بوتيرتها الحالية يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمي والدولي بأكمله.


