العموم نيوز: يواجه سكان العاصمة البريطانية لندن تسارعًا مقلقًا في مخاطر هبوط التربة، في ظل تسجيل درجات حرارة قياسية ناجمة عن تغير المناخ، ما يهدد استقرار الأساسات الطينية التي تقوم عليها غالبية منازل المدينة.
وخلف صيف عام 2025، الذي عُدّ من الأشد حرارة، أضرارًا واسعة في عدد من أكثر أحياء لندن رواجًا، إذ أبلغ ملاك المنازل عن ظهور مفاجئ لتشققات في الجدران، وانحناء في إطارات الأبواب، وميلان في الأرضيات. ويُعزى ذلك إلى موجات الطقس الحار والجاف التي تؤدي إلى انكماش التربة الطينية، ما يتسبب في زعزعة أساسات المباني وحدوث هبوط أرضي.
ويقدّر باحثون أن أكثر من مليون عقار في لندن قد تصبح معرضة لخطر الهبوط الأرضي بحلول عام 2030 مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة. وتشير بيانات شركة «أفيفا» إلى أن هذه الظاهرة قد تطال معظم أنحاء لندن الكبرى، بما في ذلك أحياء راقية مثل كنسينغتون وتشيلسي، حيث تصل أسعار المنازل إلى ملايين الجنيهات الإسترلينية، وفق ما نقلته وكالة «بلومبرغ».
ورغم أن الهبوط الأرضي ليس ظاهرة جديدة، فإن تأثيره على لندن يزداد حدة في الوقت الراهن. ويُعزى ذلك إلى طبيعة التربة الغنية بالطين، وكثافة الأشجار المستهلكة للمياه، إلى جانب انتشار المنازل القديمة المشيدة في العصرين الفيكتوري والإدواردي على أساسات ضحلة. وتفاقمت هذه العوامل مع الاحتباس الحراري، بحسب هيئة المسح الجيولوجي البريطانية.
وأثار هذا الوضع قلقًا متزايدًا لدى أصحاب المنازل. وتقول باربرا ريتشاردسون، مالكة منزل بقيمة 1.7 مليون جنيه إسترليني في حي دولويتش جنوب لندن، إن التشققات ظهرت فجأة، مشيرة إلى أنها لاحظت أول تصدع كبير في جدار غرفة المعيشة بعد انتهاء الصيف في شهر سبتمبر.
وخلال النصف الأول من عام 2025، ارتفعت مطالبات التأمين المرتبطة بالهبوط الأرضي في المملكة المتحدة بنسبة 23% لتصل إلى 153 مليون جنيه إسترليني مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق جمعية شركات التأمين البريطانية. كما تشير شركة «أكسا» إلى أن هذه المشكلات قد تؤدي إلى انخفاض قيمة العقارات بنسبة تصل إلى 20%.
وشهدت بريطانيا خلال العقدين الماضيين نحو ست سنوات صُنفت ضمن «سنوات ذروة الهبوط الأرضي»، كان عام 2025 من بينها، مع ارتفاع مستمر في تكاليف المعالجة. وحتى في عام 2024، الذي لم يُصنف ضمن سنوات الذروة، تضاعف عدد مطالبات التأمين مقارنة بما كان عليه قبل ست سنوات، وارتفع متوسط التعويضات إلى نحو 15,100 جنيه إسترليني، قبل أن يتجاوز 17 ألف جنيه خلال صيف 2025.
وتُظهر بيانات حديثة أن الظروف المناخية القاسية لعبت دورًا رئيسيًا في زعزعة استقرار أساسات المباني. ففي عام 2022، تسبب صيف شديد الجفاف في هبوط بلغ نحو 3 مليمترات في بعض المناطق، بينما أدى شتاء ممطر في أوائل 2024 إلى ارتفاع منسوب الأرض بنحو 3 مليمترات في أجزاء من لندن الكبرى.
وأدى تراجع قيمة العقارات إلى بروز شركات هندسية متخصصة في معالجة الهبوط الأرضي، غير أن العديد منها يواجه صعوبة في تلبية الطلب المتزايد. وتقول شركات، من بينها «مينمارك» للهندسة الأرضية، إنها تشهد ارتفاعًا حادًا في الطلب، حيث قد تصل تكلفة معالجة منزل منفصل من أربع غرف نوم إلى 35,500 جنيه إسترليني، بحسب نوع الحل المستخدم.
وفي الوقت ذاته، قد يواجه المتضررون تأخيرًا طويلًا في الحصول على تعويضات التأمين. ويروي غاريث، وهو أخصائي اتصالات في شمال لندن، أن الأمر استغرق عامين كاملين منذ ظهور التشققات في منزله حتى الانتهاء من تدعيم الأساسات وإصلاح الأضرار.
في المقابل، يفضل بعض الملاك تحمّل التكاليف بأنفسهم لتجنب التعقيدات. وتقول أليس مورغان، التي تمتلك منزلًا بقيمة 1.5 مليون جنيه إسترليني في واندزورث جنوب لندن، إنهما اختارا إصلاح الأضرار على نفقتهما الخاصة بتكلفة 15 ألف جنيه إسترليني، رغم أن التأمين يغطي هذا النوع من الأضرار نظريًا.
وتختم مورغان بالقول إن المتضررين من الهبوط الأرضي نادرًا ما يتحدثون عن الأمر علنًا، واصفة إياه بأنه «سر محرج يشعر الناس بالخجل من الاعتراف به».




