العموم نيوز: 26 كانون الثاني 2026- في ظل اتساع الخلافات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من العواصم الأوروبية، تتصاعد النقاشات داخل القارة حول مستقبل الاعتماد العسكري على واشنطن، وخصوصاً في ملفات تتشابك فيها الأبعاد السياسية والاستراتيجية، من أوكرانيا إلى حلف الناتو وصولاً إلى غرينلاند.
هذا المشهد، كما يراه الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية دومينيك ترانكون في حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، يعكس تحولا طويل الأمد في الرؤية الأميركية تجاه أمن أوروبا، ويدفع الأوروبيين إلى إعادة النظر في منظومتهم الدفاعية بصورة شاملة.
تحول استراتيجي في أمن أوروبا ودور واشنطن داخل الناتو
قدم الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، الجنرال دومينيك ترانكون، قراءة تحليلية معمّقة للتحولات الجارية في بنية الأمن الأوروبي وعلاقة القارة بالولايات المتحدة، في ضوء ما وصفه بتحول استراتيجي طويل الأمد يعيد رسم معادلات الدفاع داخل حلف الناتو وخارجه.
وانطلق ترانكون من مستندات حديثة تشير، بحسب قوله، إلى أن واشنطن باتت ترى أن على الأوروبيين تحمل العبء الأساسي للدفاع عن أنفسهم، مع الاكتفاء بدور داعم أميركي، لا بدور القيادة المباشرة للعملية الدفاعية الأوروبية.
تحول استراتيجي يعيد طرح سؤال الاستقلال العسكري
أوضح ترانكون أن هذا التوجه الأميركي يجد جذوره في رؤية قديمة تعود إلى عهد الجنرال شارل ديغول، حين اعتبرت فرنسا أن الاستقلال العسكري ضرورة استراتيجية. غير أن الجديد، وفق تعبيره، يتمثل في أن الولايات المتحدة نفسها بدأت تتحدث “بطريقة واضحة” عن ضرورة اضطلاع الأوروبيين بمسؤولياتهم الدفاعية، وهو ما دفع دول القارة إلى تعزيز أنظمتها العسكرية وتنظيم قدراتها بما يسمح لها بالدفاع عن نفسها في حال تراجع الالتزام الأميركي، ولا سيما فيما يتعلق بالملف الأوكراني، الذي تصفه واشنطن بأنه “مسألة أوروبية ينبغي معالجتها أوروبيا”.
وأكد الخبير أن هذا التحول لا يأتي استجابة لمطالب أوروبية، بل نتيجة ضغط أميركي مباشر، مشيرا إلى أن الوضع كان “متأرجحا” خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أن تتضح الصورة اليوم بشكل أكبر.
وأضاف أن أوروبا، التي افترضت على مدى 3 عقود بعد تفكك الاتحاد السوفياتي أن السلام العالمي يقلل الحاجة إلى التسلح، تجد نفسها مضطرة الآن إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية، وهي عملية قد تستغرق 3 سنوات على الأقل، فضلاً عن الوقت اللازم لترسيخ هذا التحول الاستراتيجي.
ولم يقتصر حديث ترانكون على البعد العسكري التقليدي، إذ شدد على ضرورة أن يستعد الأوروبيون أيضا لاعتداءات “غير عسكرية” ذات طابع نفسي واقتصادي.
وفي هذا السياق، أشار إلى المواجهة التي وقعت مع الرئيس ترامب في غرينلاند الأسبوع الماضي، حين قاوم الأوروبيون ما وصفه بـ”السردية الترامبية”، ما دفع الرئيس الأميركي إلى التراجع خطوة إلى الوراء، على حد تعبيره. لكنه عاد ليؤكد أن على الأوروبيين، في كل الأحوال، تعزيز قدراتهم كي يصبحوا أكثر استقلالاً على الصعيد العسكري.
التسلح وزيادة الإنفاق الدفاعي
وتوقف ترانكون عند ما اعتبره محورين أساسيين في المرحلة المقبلة، أولهما مسألة التسلح. وقال إن أوروبا قررت رفع ميزانياتها الدفاعية إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 2% سابقاً، ما يستدعي الاعتماد على معدات أوروبية خالصة، تشمل الأسلحة والصواريخ بعيدة المدى، إلى جانب قدرات عسكرية أخرى، خصوصاً تلك المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
وفي هذا الإطار، ذكّر بأن أمن أوروبا ما يزال مرتبطا بحلف الناتو الذي يضم الأوروبيين والأميركيين والكنديين، إلا أن المطلوب، بحسب تحليله، هو تمكين الدول الأوروبية من العمل في ما بينها باستقلال كامل عن الولايات المتحدة.
واعتبر أن اجتماع الدول الأوروبية في إطار موحد يجعل من الصعب على القيادة الأميركية “إجبار” الأوروبيين على الاصطفاف خلفها، لافتا إلى أن التجربة التي قادتها فرنسا والمملكة المتحدة في إدارة ائتلاف طوعي لحشد وتنظيم القدرات العسكرية الأوروبية تشكل نموذجا إيجابيا على هذا الصعيد.

