لندن: محمد الطّورة.
كل عام وأنتم والوطن بألف خير
قبل أن تشتد العاصفة الاقتصادية… أوقفوا الهدر وعززوا مخزون الأمن الغذائي
في أوقات الأزمات الكبرى لا تُقاس قوة الدول بحجم إنفاقها، بل بقدرتها على إدارة مواردها بحكمة واستعدادها لمواجهة الصدمات. ومع تصاعد التوترات في منطقتنا وما قد يترتب عليها من تداعيات اقتصادية، يصبح من الضروري إعادة ترتيب الأولويات، والابتعاد عن الهدر والبذخ، والتركيز على حماية الاقتصاد وتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية قبل أن تفرض الظروف واقعاً أكثر صعوبة على الجميع.
وقد لفت انتباهي ما دعا إليه صندوق النقد الدولي مؤخراً من ضرورة أن تحافظ الدول على ما يسمى بـ”الحيز المالي”، أي القدرة على توفير موارد مالية يمكن استخدامها عند وقوع الأزمات والصدمات الاقتصادية. هذه الدعوة ليست مجرد نصيحة اقتصادية عابرة، بل هي رسالة واضحة بأن العالم مقبل على تحديات اقتصادية تتطلب استعداداً حقيقياً وإدارة حكيمة للموارد.
إن ما تشهده منطقتنا اليوم من تصاعد في التوترات والصراعات، والحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يلقي بظلاله على جميع دول المنطقة دون استثناء. ومهما حاول البعض التقليل من حجم التأثيرات، فإن الواقع يشير إلى أن الأيام القادمة قد تحمل تحديات اقتصادية صعبة، سواء من حيث ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو زيادة تكاليف الطاقة ومشتقات البترول التي تتأثر سريعاً بأي اضطرابات في المنطقة.
ومن هنا، يصبح من الضروري أن نعيد ترتيب أولوياتنا على مستوى الأفراد والمجتمعات والحكومات. فالإدارة الرشيدة للموارد لم تعد خياراً، بل ضرورة ملحة تفرضها الظروف. ومع حلول هذا الشهر الفضيل واقتراب عيد الفطر المبارك، ينبغي أن تكون هناك دعوة صادقة للاعتدال في الإنفاق والابتعاد عن المظاهر الاستهلاكية المبالغ فيها التي تثقل كاهل الأسر دون حاجة حقيقية.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الأفراد وحدهم، بل تمتد أيضاً إلى الحكومات ومؤسسات الدولة. فحسن إدارة المال العام يقتضي التوقف عن هدر أموال الدولة في مشاريع أو نفقات غير ضرورية في هذه المرحلة الحساسة، والتركيز بدلاً من ذلك على ما يحقق الأمن الاقتصادي والغذائي للمواطنين.
ومن أهم الخطوات التي ينبغي العمل عليها اليوم قبل الغد، تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية مثل الحبوب والمواد الغذائية الضرورية، إضافة إلى تأمين احتياطيات كافية من الطاقة ومشتقات البترول، تحسباً لأي اضطرابات في سلاسل الإمداد أو ارتفاعات مفاجئة في الأسعار.
إن الحكمة في مثل هذه الظروف تكمن في الاستعداد لا في رد الفعل، وفي التخطيط لا في الارتجال. فالأزمات مهما اشتدت يمكن تجاوزها عندما تتوفر الإدارة الواعية للموارد، ويكون هناك وعي جماعي بأهمية ترشيد الإنفاق وتقديم الضروريات على الكماليات.
وفي النهاية، فإن المرحلة التي نمر بها تتطلب قدراً كبيراً من التعقل والمسؤولية. فوقف الهدر، وترشيد الإنفاق، وتعزيز المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية، ليست مجرد إجراءات اقتصادية، بل هي خطوات ضرورية لحماية استقرار مجتمعاتنا وضمان قدرتها على تجاوز الأزمات. فالدول التي تستعد مبكراً وتدير مواردها بحكمة، هي وحدها القادرة على عبور العواصف الاقتصادية بأقل الخسائر الممكنة.

