لندن: كتب المحرر السياسي
حين يصبح الاستثناء قاعدة… بين الواسطة وتكافؤ الفرص
في بعض البيئات المهنية، والتي عملت فيها وعرفت أشخاصها عن قرب تتكرّر مشاهد تثير التساؤل أكثر مما تقدّم الإجابة؛ حيث يبدو أن مبدأ تكافؤ الفرص لا يُطبّق دائمًا بالصورة التي يُفترض أن يكون عليها، سواء داخل الأوطان أو خارجها.
لسنا هنا في موضع التشكيك بكفاءة الأفراد أو النيل من إخلاصهم، بل في مساحة أوسع تتعلّق بمبدأ العدالة المهنية، ذلك المبدأ الذي يقوم على منح الفرص وفق الاستحقاق، لا وفق اعتبارات أخرى قد تخرج عن إطار الكفاءة والمعايير الواضحة.
في حالات معيّنة، يلاحظ البعض أن هناك من يحظى باستمرارية طويلة في مواقعهم، أو بمرونة استثنائية في التنقّل بين الفرص والمهام، بطريقة تبدو مختلفة عمّا هو متاح للآخرين. هذا التفاوت يفتح باب التساؤلات حول مدى اتساق الأنظمة مع ما يُعلن من قواعد، وحول ما إذا كانت المعايير تُطبّق على الجميع بذات الدرجة.
ومع مرور الوقت، قد يتحوّل الاستثناء إلى ما يشبه القاعدة غير المعلنة، حيث يشعر البعض أن الجهد وحده لا يكفي، وأن هناك عوامل أخرى تلعب دورًا في تحديد المسار المهني، وهو ما قد يؤثر على الثقة العامة في بيئة العمل.
في المقابل، يختار كثيرون الصمت، ليس اقتناعًا بالواقع، بل تجنّبًا للتبعات، في ظل شعور بأن إثارة هذه القضايا قد تكلّفهم استقرارهم المهني.
يبقى السؤال قائمًا: كيف يمكن تحقيق توازن حقيقي بين الكفاءة والعدالة؟ وكيف يمكن ضمان أن تبقى الفرص متاحة للجميع على أسس واضحة وشفافة، دون استثناءات تُضعف الثقة أو تُربك المعايير؟
إن الحفاظ على بيئات عمل عادلة—في الداخل والخارج—لا يتحقق إلا من خلال وضوح القواعد، وتكافؤ تطبيقها، ومساءلة أي انحراف عنها، بما يضمن أن يبقى الاستحقاق هو الأساس، لا الاستثناء.

