لندن: محمد الطّورة
تشهد العديد من المجتمعات اليوم ظاهرة التزاحم على الألقاب والمناصب والمسميات، حيث لم يعد الاهتمام منصبًا فقط على الإنجاز الحقيقي، بل امتد ليشمل السعي وراء المكانة الشكلية التي تمنح صاحبها تقديرًا اجتماعيًا. ويظهر ذلك في المبالغة في استخدام المسميات الوظيفية والألقاب الأكاديمية، وحتى في الفضاء الرقمي الذي أصبح ساحة لعرض هذه الصور.
في هذا المقال، لا أزعم الوقوف خارج دائرة هذه الظاهرة، ولا أُنزّه نفسي أو غيري عنها؛ بل أقرّ بأنني، كغيري، قد أكون جزءًا من هذا التزاحم المحموم على الألقاب والمسميات. فالحديث هنا ليس توجيهًا للآخرين بقدر ما هو تأمل صادق في سلوك يتسلل إلينا جميعًا بدرجات متفاوتة، في الداخل والخارج، حين نبحث عن التقدير أحيانًا عبر المسميات أكثر من المضمون.
ترتبط هذه الظاهرة بعوامل اجتماعية وثقافية، مثل ربط المكانة بالألقاب، وضعف التركيز على الكفاءة الفعلية، إضافة إلى تأثير وسائل الإعلام التي تعزز المظهر أكثر من الجوهر. كما أن المنافسة غير الصحية تدفع البعض إلى الاهتمام بالمسميات بدل الإنتاج.
ومن الجوانب التي قد لا يُلتفت إليها كثيرًا، أن هذا التزاحم لا يقتصر أثره على الفرد فقط، بل يمتد أحيانًا ليُحدث شرخًا خفيًا في العلاقات، حتى بين الأصدقاء. فعندما يتحول السعي إلى التفوق من رغبة في الإنجاز إلى تنافس محموم على المناصب، قد تتراجع روح التعاون لصالح النزعة الفردية، ويسعى كل طرف ليكون في الصدارة ولو على حساب الآخر، مما قد يعطل مسيرة العمل الذي يفترض أن يكون هدفًا مشتركًا للجميع.
ورغم أهمية الألقاب في تنظيم العمل، فإن الإفراط في التمسك بها يؤدي إلى تراجع قيمة الإنجاز الحقيقي وظهور فجوة بين الواقع والصورة. لذلك، يبقى الحل في إعادة التركيز على الكفاءة والعمل الفعلي، والتقليل من الاعتماد على المسميات كوسيلة لإثبات الذات، لأن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في أثره لا في لقبه.

